Saturday, November 28, 2015

أميركي في المخيم



أميركي في المخيم
قليل المخيم.. كثيره

يجلس حسن على قارعة الطريق عند حافة مخيم يبنا رفقة يوسف العائد لتوه من الولايات المتحدة الأميركية. وعند القارعة، وما أدراك ما القارعة، تلك القارعة الشاهد الملك على كل حكايات من جلسوا على حافتها بانتظار العودة منذ عام 1948. تلك القارعة التي ما زالت تختزن تفاصيل الزيجات التي عرفها المخيم منذ عام النكبة وحتى عام 1994. تلك القارعة التي تعرف أسماء مطلقات المخيم وأرامله وشهدائه وجرحاه ومعتقليه ومبعديه وجواسيسه ومقاتليه بالواحد، على مدار الانتفاضتين: الحجارة والأقصى.

يسأل حسن يوسف: كيف أميركا؟
يوسف مبتسما محركا يديه في الهواء بطريقة بهلوانية قائلا بالإنجليزية: إتس جود بليس تو ليف إن. أووه سوري، آي هاف تو سبيك آرابيك تو أندرستاند مي.
حسن نافثا دخان سيجارته في وجه يوسف محركا بطن إبهامه فوق فتحة منخاره اليمنى: سبيك يا اخوية سبيك. فاك يو!
يوسف: وات ذا فك يو سِدْ!
حسن معيدا صياغة جملة يوسف على قدر فهمه وسمعه مقهقها: "وظفك" وين إن شاء الله، في الحكومة ولا في الوكالة. ثم قهقهة مجلجلة مفتعلة.
يوسف بلكنة مهشمة: أنا بيهرف أربي كويس.. ماشي هال.

عاد يوسف، الأميركي من أصل فلسطيني -كما يحلو للصحافة العربية أن تطلق على كل عربي مزدوج الجنسية- إلى المخيم في الأول من تموز عام 1994، بعد 27 عاما قضاها في ربوع أميركا، رفقة والده سمير الذي هَجَرَ المخيم في عام النكسة 1967 لتحصيل العلم. في العام الذي وصل فيه سمير إلى الولايات المتحدة تزوج من فتاة أميركية هي جنيفر غلبرادسون المتعاطفة مع الفلسطينيين. وهكذا، كان سمير أول من تجاوز قاعدة "الجواز عن حب" ليستخرع "الزواج عن تعاطف"، أو "الزواج التعاطفي"، الذي سيتخذه كثير من الفلسطينيين لاحقا خلاصا لهم، ليكون زواجا، وجوازا وطنيا وللأبد.

لسبب معروف، أو حتى غير معروف، لكنه لا يخلو من دهاء، اختار سمير لأبنائه أسماء أميركية يمكن تعريبها، فيوسف اسمه الأصلي في جواز سفره الأميركي جوزيف. واسم أخيه جِبْرِيل، غابرييل، وأختهما الوحيدة مريم هي في الأصل ماري. حتى زوجته جنيفر، فَرَّ من اسمها آخر حرفين "فَرْ" ليحل مكانهما النون، فتصبح "جنين". اختار أبو يوسف أيضا للعودة إلى غزة تاريخا مميزا، أو بالأحرى فإن التاريخ هو الذي اختاره، ففي العام الذي عاد فيه دخل ياسر عرفات إلى قطاع غزة للمرة الأولى بعد توقيع اتفاق أوسلو، حين طبع "سيادة الرئيس" قبلة على أبواب معبر رفح، وغرس جبينه فوق تراب غزة ساجدا "للوطن". سيعرف الغزيون لاحقا أن هذه كانت "قبلة لعنة" على المعبر حتى إشعار آخر.

يجيد أولاد سمير كلهم فهم اللغة العربية، كيف لا وهو مدرس سابق لها في مدارس المخيم، ولا يحدثهم داخل البيت إلا بها، بل إنه لا يجيب على أسئلة أي منهم -وإن كانت بالإنجليزية- إلا بالعربية. لكن الغربة لا بد وأن تسلب الإنسان ما يشاء لها أن تسلب، واللغة أول ضحاياها.

فأولاده وإن كانوا يفهمون اللغة العربية، فهي ليست لغتهم الأولى، إذ إنهم لم يولدوا أو يعيشوا في مجتمع عربي، ولأنه لم يقدر لهم من ذي قبل العيش في المخيم، فإن صعوبة اللغة سترتفع بالنسبة لهم درجة. وقد تعود أبناء سمير أنه إذا ما سألهم أحد بالعربية، يجيبون بالإنجليزية. كان لدى سمير عزاء وحيد يعوض نقصا ما بداخله بشأن التكسر في ألسنة أبنائه هو أن أبناءه الثلاثة يجيدون قراءة القرآن بلسان عربي فصيح.


فلاش باك
يركب سمير وزوجته جنين وأبنائهما يوسف وجبريل ومريم السيارة، وتنطلق بهم من معبر رفح باتجاه المخيم جنوبا. فالمأساة دائما جنوبية كما المخيمات. يطالع يوسف بانشداه -مع أخوته وأمهم- البيوت المتداعية ذات الجدران التي تتسلقها خضرة العفن. تلك البيوت التي يكتظ بها جانبي الطريق، ويكسوها الإسبست المسرطن، والزينكو الذي لا يقي حرا ولا بردا. تلك البيوت التي تحكي أشكالها أنها بنيت على عجل لأناس ما برحوا يستعجلون العودة.

رويدا رويدا، تبدأ بيوت ذات طبقتين أو ثلاثة تظهر ليوسف وعائلته على جانبي الطريق المحفوف بنبتة الصبار. تبدو لهم البيوت وكأن هناك من يتخطفها للوراء كلما أسرعت السيارة مقتربة من المخيم، فيحسبون أن جغرافيا المخيم قد بدأت تتحسن.

يسند يوسف رأسه على وسادة مقعد السيارة، يأخذ نفسا عميقا، يسترخي، ثم يغمض عينيه، ليغط في تعسيلة يسترجع خلالها من شاشة ذكرياته الخلفية مشهدا لتلك المباني الشاهقة المتلألئة المرصوصة بعناية فائقة على حافتي شارع وول ستريت في نيويورك وهي تتكثف على الزجاج الأمامي للسيارة فلا يكاد يسعها، ولا تسعها عيناه. تلك الشوارع التي لا غبار عليها، سوى غبار النقود الذي تكاد تلمحه على أرصفة حيها المالي، مانهاتن.

تسأل مريم ابنة الأعوام التسعة أبيها: وات إز ذيس بيلدنغ داد؟
يجيبها سمير بالعربية: مقر السنتيشن يا بابا.
مريم مستفهمة: وات إز إت إكزاكتلي فور؟
سمير:
السنتيشن هي كلمة لم يجد قاطنوا المخيم بدا من إدخالها إلى لغتهم من الإنجليزية، إذ لم يتمكنوا من تعريبها. وبالمفهوم الجمعي لأبناء المخيم فإن السنتيشن هو مقر تجمع وانطلاق عمال النظافة العاملين بالمخيم والمخيمات المجاورة، التابع للأونروا. فمنه يبدؤون يومهم بتوقيع سجلات الحضور، حيث يتسلمون الجرادل الكبيرة المحمولة على عربات ذات عجلات منفوخة صغيرة ثلاث. ثم ينتشرون عند السابعة صباحا في كل صوب باتجاه أزقة المخيمات، لجمع الزبالة. وإلى المقر ذاته يعودون ظهرا لتسليم العهدة، وهي عربة ومكنسة خشنة ومشط حديدي وكريك. كان ذلك قبل أن تعرف المكانس الكهربائية طريقها للمخيم.

والسنتيشن، وما أدراك ما السنتيشن. كان العامل أو الموظف فيها يتقاضى راتبا أكبر بكثير من راتب الدكتور أو المهندس. هكذا كانت عواجيز المخيم تردد دائما. كان موظف السنتيشن يلبس بعد دوامه هنداما لا يقدر على شرائه المدرس. وكان أبناؤه يدرسون في أفضل الجامعات ذات الرسوم المرتفعة، مما لا يقدر عليها غيره من العاملين في مهن أرقى.

وكان الكناس تحديدا مسموع الكلمة عند نساء المخيم كافة، وكان إذا ما طلب شربة ماء من أحدهن أو كأس شاي يلبى طلبه فورا خوفا واحتراما. ولأنه كان يلملم الزبالة في أوقات يكون الأزواج في أشغالهم، فإن تعامله يقتصر على النسوة اللاتي يستيقظن مبكرات للإشراف على شؤون منازلهن، وتحديا مطابخهن. وما أن يسمعن قرقعة عربته حتى يناولنهن حاويات القمامة من وراء الأبواب المواربة. وكان كثيرا ما يوبخ بعض النساء على قذارة حاويات بيوتهن، أو عدم نظافة الشارع من أمام بيوتهن. وكان هو كذلك أول من يلجأ إليه كل ذو حظ عاثر إذا ما فقد أو أضاع شيئا ثمينا، ولا يتهاون للحظة في "بهدلة" أي امرأة أو رب منزل إن وجد صدفة في قمامتهم شيئا لا يزال يمكن استعماله، خصوصا الخبز، حتى وإن كان ناشفا، وتجده ينهر إحداهن: هو خلّص الجاج والحمام من الدنيا!.

يفتح يوسف عيناه ببطء شديد على صوت قرقعة السيارة وهي تتهادى فوق الحفر التي تملأ الإسفلت المؤدي للمخيم. تواصل السيارة سيرها ببطء أكثر أمام الشوارع التي بدأت تضيق شيئا فشيئا. وبينما يفرك عيناه تتسلل رائحة الفلافل المنبعثة من مطعم أبو خليل الصغير عند الناصية الغربية للمخيم إلى شباك سيارة الأجرة المتهالكة التي تسير بلا شبابيك زجاجية. تنعش الرائحة أنفه، وتتغلغل داخله حتى أخمص قدمه، ثم ينظر حوله فيجد أن الأفق قد انسد، وأن جانبي السيارة كادا يلامسان جدران بيوت المخيم، التي ينبعث منها رطوبة كثيفة، ومن أبوابها ريح بارد خفيف محمل برائحة النوم.

توقفت السيارة أمام بيت أبو سمير، وقد تجمع أخوته وأبناء عمومته للترحيب به وعائلته. وعلى الفور اندلعت "مَبْوَسة" لم يفهما إلا سمير، بينما وقف أبناءه أمامها مشدوهين. هجمت القبلات على خدودهم من كل حدب وصوب، فنبتت علامات الاستغراب على وجوهم كالفطر. لم تبدِ أجسامهم أي حركة، وكأنهم قد استسلموا لوابل التبوييس وغارات الأحضان. واكتفى يوسف وجبريل بتبادل نظرات الدهشة من فوق أكتاف المهنئين لهم بسلامة العودة. أما جنين، زوجة سمير، فقد تناوشتها زوجات إخوة سمير (سلفاتها) عند باب البيت من الداخل بقبلات لها صوت زقزقة العصافير. تقبيل من ذلك الذي تبلغ سرعته 16 بوسة في الثانية على الخد الواحد، حتى أن خديها كادا أن يتورما بعد أن بانا عن احمرار شديد. جنين بدورها كانت غارقة في موجة فريدة من الذهول اللذيذ المحمول على ضحكة اندهاش بلهاء مخرومة بفغر من فاهها.


بعد 9 أشهر
في صبيحة يوم مشمس تمد جنين رأسها المكشوف ذو الشعر الذهبي إلى خارج باب بيت حماها في المخيم وتنادي على ابنتها مريم:
 تعالي يا بنت الكلب علشان أحممك، بكفي لعب بالرمل واللاصة، ما زهقتي؟
 مريم: يلا يمة جاية.
 جنين: تعالي بقول بسرعة لحسن آجي أكسر إعضامك.
 مريم: طز فيكي

وما أن سمعت جنين الكلمتين الأخيرتين حتى طارت ضبنات عقلها (والضبنات هي الفيوزات المكونة للعقل ومفردها ضبنة) وبسرعة البرق أطلقت ساقيها للريح في الشارع الرئيسي للمخيم تجري وراء ابنتها. ذهبت العصبية بعقل جنين التي خرجت للشارع مسرعة وهي ترتدي جلبية قصيرة ترتفع قليلا عن ركبتيها، وتشف ما تحتها، فيما انسدل شعرها الذهبي فوق كتفيها. جرت جنين في الشارع جريٌ اهتزت له كل أركانها الأنثوية في مشهد جعل كل من في الشارع يتسمرون في أماكنهم ذاهلين لمراقبة هذا المشهد الفريد، إلى أن قطع السكون صوت فتى قال صارخا بتنغيم: "إلعب.. أحلى سكس!".

أمسكت جنين ابنتها مريم بكلتا يديها، وغرزت أسنانها في بطة يدها اليمني (والبطة هي الزند الواقع بين الكتف والمرفق) ثم جرتها من شعرها البني الطويل وهي تضربها على كل مكان في جسمها متجهة ناحية البيت. وما أن تحولت من الشارع الرئيس إلى الزقاق حيث البيت، لمحها سمير من بعيد قادما من السوق وهو يحمل أكياس الخضرة والفاكهة. رأى سمير زوجته بهذا المنظر فألقى الأكياس، وركض نحوها، وما أن بلغها أخذ يلطمها على خديها بكلتا يديه صارخا في وجهها: فضحيتينا في المخم يا بنت الكلب، هيك طالعة في الشارع مشلحة!


يوسف: حسن.. حسن.. حسن.
حسن: أيوة مين بينادي
يوسف: أنا يوسف.
حسن: شو بدك
يوسف: تعال يا زلمة نروح القَصّاص.
حسن: يلا جاي
الساعة الآن هي السابعة والنصف صباحا. واليوم هو يوم الجمعة. ينزل حسن عن سريره وهو يطرد بقايا النوم من عينيه بفركهما بباطن يديه. يمشي مترنحا ناحية الحمام. والحمام في بيت حسن، كما كل بيوت المخيم، له استخدامان: للاستحمام والقرص (والقرص هو قضاء الحاجة). ولضيق الحمام، فإذا ما دخل أحد أفراد الأسرة -وتعدادهم 13 "قِردا"- للاستحمام، فإنه يستحم فوق مقعدية قضاء الحاجة. وإذا ما دخل أحد الحمام لأي من الغرضين فإن على الآخرين انتظاره حتى يفرغ. حاجة بتمغص، كما كان يردد حسن دائما. حمد حسن الله أن اليوم هو الجمعة والكل نائم، وهذه فرصة نادرة كي يقضي حاجته ثم يستحم في آن واحد دون "ضغط خارجي". يخرج حسن من الحمام وهو يفرك شعره المجعد بالبشكير، وما أن يدلف إلى الغرفة حتى يندم أنه تحمم، إذ إن أمامه لعبة كرة قدم ستستمر حتى قرب آذان ظهر الجمعة، مما سيضطره للاستحمام مرة أخرى قبل الذهاب للجامع، وفي باله أن تكدسا محتملا قبالة الحمام سيكون قد طرأ عندئذ.

حسن شاب نبيه تخرج لتوه في كلية التجارة بجامعة الأزهر في غزة بدرجة ممتاز. ضليع في اللغة العربية بحكم أن أبيه كان مدرسا لها في إحدى مدارس الأونروا بالمخيم. كما يتقن اللغة الإنجليزية، وقد تعلمها بنفسه من متابعة الأفلام الأجنبية (قبل أن تنطلق قناة mbc2) وقراءة الروايات والصحف، وكان مرجعا لغويا بالعربية والإنجليزية لأصدقائه كلهم في المدرسة والجامعة. حتى أنه كان يتفاخر أمام أصدقاءه إذا ما أجاب أحدهم عن معنى كلمة باللغة الإنجليزية بالقول: أنا حافظ الديكشينيري كله يا زلمة! يتبعها قهقهة مفتعلة. ملامح وجه حسن لا تدل البتة على أنه شخص هادئ، بل توحي على الدوام وكأنه قد تأبط شرا. لكن ما يميزه أنه يتحدث بطلاقة الدبلوماسيين، فهو حكاي من الطراز الأول، وما يجبب الناس إلى كلامه كثرة قفشاته في طيات الحديث. فكثيرا ما كان يركب كلام موقف على آخر. فإن سمع أحدهم يقول: الدنيا برة برد شديد. يكمل هو من قاموسه الإخباري: برد شديد اللهجة. وحسن "ابن مخيم أصيل"، ورغم أنه لا يحب سماع هذه العبارة كونها مرادفا لمفهوم "الشبيح" أو "البلطجي"، فإن صدره الرحب كان يتسع لها.

يسير يوسف حسن، بينما الأخير "يدحدل" بقدميه كرة القدم الجلدية من نوع "مكاسي" أمامه، إلى الناحية الجنوبية من المخيم، حيث منطقة القصاص على الحد الفاصل بين الأراضي المصرية والفلسطينية. وهناك تتحول أراض فضاء شاسعة إلى ملعب لكرة القدم يطلقون فيه العنان لطاقاتها خارج كل قوانين الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا".
وفي الطريق، حيث منازل آل أبو ارقيق، وهو الاسم المستعار لآل أبو جزر. يلتقي حسن ويوسف مع موسى أبو ارقيق. وموسى هو شاب "لادع". واللادع بمفهوم أهل المخيم، الشخص الذي قد مسه شيء من الجنون. وقد كان موسى كذلك بفعل التعذيب الذي تعرض له في السجون الإسرائيلي بعد اعتقاله لمدة 3 سنوات على إثر حجر ألقاه على جيب إسرائيلي. المهم، موسى الآن يسير بالشوارع حافيا، وبملابس مهلهلة ولحية كثة، وشعر منكوش مغبر، بينما يدخن أي شيء يلقاه في طريقه. إسفنجة مرمية على طرف الطريق يلتقطها وبقداحته يشعلها ويدخنها. ليف ناشف الذي يتدلى من حواكير سكان المخيم يلفه في ورقة كرتون ويشعلها مثل سيجار فاخر ويشهق.. يشهق بقوة.. وهكذا كان موسى يدخن كل ما تقع عليه يداه من كراتين، وأوراق، ونباتات ناشفة، وحين كان يعدم هذه الوسائل تراه يجري وراء الشاحنات الضخمة التي تصدر دخانا أبيض كثيفا فيغرق فيه ويستمتع باستنشاقه.

يضحك حسن في وجه موسى قائلا له: مقص.
يجيب موسى بصوت متهدل منغم: تقطع فيه رزقك.
حسن: سكينة.
موسى: تقطع فيها رقبتك.
حسن: مفك.
موسى: تفك فيه عقدك.
حسن: صابونة.
موسى: تغسل فيها هبلك.
حسن: قنية.
موسى: تعبي فيها قرفك.
حسن: شرشف
يضحك موسى بصوت عال: تغطي في طيـ.. ك.
 
يلفت نظر يوسف مبنى مهجورا على شكل حرف أل بالإنجليزية، ملاصق للملعب مباشرة. يعتلي المبنى ألواح زينكو على شكل مثلث، وأمامه أرض واسعة تحدها جدران عالية، فوقها أسلاك شائكة. وفي منتصف الجدار الواجهة ينتصب باب أزرق اللون وقد غطته أسلاك سمكية تقاطعت بالطول والعرض لتصنع مربعات صغيرة بالكاد يمكن ليد الطفل أن تنفذ منها.
يوسف: شو هاضة المبنى.
حسن: بالله ما أنت عارف.
يوسف: لا والله ما أنا عارف.
حسن: الله لا يوطرزلك. هاضة كان أهم مكان في المخيم.
يوسف: خلصنا احكي وما تنشف ريقي.
حسن: هاضة مبنى الطعمة يا غنيمة أهلك.
يوسف: شو يعني الطعمة.
حسن: هيه هيه .. كمان.. أنت قصتك طويلة. بعد ما نخلص لعب، ونروح نصلي وبعدها نتغدى، بنطلع أنا وياك العصريات بنقزدر على دحلة كندا وبحكيلك شو قصة الطعمة.
يوسف الذي كاد أن ينسى لغته الأم في المخيم: دِيْل.
حسن مازحا: ديل ولا دنب.. مقهقها بافتعال.


تأقلم
لم يسبق ليوسف أن جلس يوما على قارعة طريق، ولا أن تغبرت خلفيته بجلسة على رصيف الشارع، ولا توسخت جزمته بفعل الرمل الشيتي على جانبي كل زقاق في المخيم، ولا أن طغت رائحة المجاري على شذى عطره النفاذ، ولا أن تعثر بمطبات الطينة وبقايا ردم البناء الذي يملأ جنبات الأزقة. لكن يوسف اليوم، وبعد 9 لأشهر ونيف من المكوث في المخيم، ها هو يتأقلم مع هذا الأشياء وأكثر. يمر بجمع من العواجيز يتشمسون عند أطراف بيوت المخيم، فيسلم عليهم بالواحد ويطلب منهم إن كان أحدهم يريد شيئا من السوق. يتوقف بدكان أبو خليل لبيع الفلافل ويطلب منه ساندويشا مُغَرّقا بالفلفل الأحمر الحراق. ينقده نصف شيكل فيرفض أبو خليل  قائلا له: عيب عليك يا راجل.. خليها علينا هالمرة. وما أن يَقفو يوسف يطلب منه أبو خليل أن يشتري له ضمتين بقدونس من عند أبو جاسر لزوم خلطة الفلافل ليوم غد. يتقبل يوسف الطلب بصدر رحب. تلفت انتباه يوسف ورقة زهرية اللون مطوية بعناية ملقاة على جانب الطريق المؤدي إلى السوق، يلتقطها، يقرأها ويطويها كما كانت بينما تنبت على شفتيه ضحكة براقة. يدس الرسالة الممهورة برأس قلب يخترقه سهم يزين طرفيه حرفي الياء والنون بالإنجليزية، في فتحة شباك غرفة إياد المغروم ببنت الجيران نادية.

يخرج الشابان اليافعان حسن، ابن المخيم الأصيل، ويوسف الذي يتحول رويدا رويدا إلى ابن مخيم أصيل، للتنزه على الطرف الجنوبي للمخيم، حيث آخر إسفلت يفصل الأراضي الفلسطينية عن نظيرتها المصرية. يزدحم هذا الشارع بالناس بدءا من العصر إلى أن يجن الليل. وهناك يمتعون أنظارهم في الفضاء غير المتوفر لهم داخل المخيم. ينظرون بإمعان وسكون إلى ما وراء الحدود من أراض مصرية، ويحلمون بأنهم قد سافروا هناك، وقد نسوا ولو قليلا الرطوبة التي تنفثها البيوت في أزقة المخيم. يفترش كثير منهم الأرض موليا وجهه قبلة كندا المصرية. يمعن النظر في البيوت المتناثرة وأشباح الناس التي تتحرك من بعيد. وكندا هو الاسم الذي أطلقه سكان المخيمات في الجانب الفلسطيني على المخيم في الجانب المصري، والذي أقيم للاجئين الفلسطينيين بعد عام 1967. وهي تسمية تحمل بعدا دوليا مستخرعا، والبعد الدولي هي لازمة من لوازم اللاجئين الفلسطينيين أينما حلوا وارتحلوا.

على حافة الحدود تمام ترتاح في الفضاء ثلاثة ملاعب لكرة القدم أقامها أبناء المخيم والمخيمات المجاورة. والمعلب هو قطعة أرضة طينية خالية من أي عشب، ولا يدل على أنها ملعب سوى المرمى. وعلى طول الحدود تتوزع العائلات للحديث مع أقربائهم على الجانب الآخر منه. يكون ذلك في الأماكن التي لا يغطيها غسيل المخيم والمخيمات المجاورة المنشور على أسلاك الحدود.

يرى يوسف كل هذه المشاهد في رحلاته المتكررة التي يأخذه فيها حسن للمكان، لكنه لم يدرك بعد كل معانيها، ولم يقتنع بعد بالأسباب التي دفعت الناس لأن يقبلوا حياة بهذه الطريقة، ولم يستطع بعد فهم تلك القدرة التي لدى هؤلاء البشر على تحمل كل هذا الشظف والألم.
كان يوسف يقول لحس كثيرا: أنا مش قادر أستوعب كيف إنتو عايشين هيك؟
فيرد حسن مازحا: علشانك لسه لاجئ مستجد. بكرة بتتعود.

يصل حسن ويوسف إلى النقطة الأخيرة عند دحلة كندا. والدحلة بمفهوم أبناء المخيم هي المنحدر. وبالفعل فقد كان هذا الشارع ينحدر بقوة، وتؤدي نهايته إلى أراض زراعية وبيارات. ولأنه كان كذلك فقد كان مرتعا ممتعا للأطفال الذين لديهم دراجات هوائية. يصعدون إلى أعلى قمة في الشارع، ثم يتركون المقود للريح ويرفعون أيديهم مثل أجنحة طائرة وهم يستقبلون هواء الحرية المفقودة المتدفق إلى صدورهم الغضة.

يواصل حسن ويوسف السير في الشارع بعد أن تجاوزا قمة الدحلة، وعن يمينهما ثكنة عسكرية مهجورة للجيش الإسرائيلي قبالة المخيم، كان جنودها سبب في قنص معظم شهداء الحارة، وعن يسارهما بيارات مزروعة بالبرتقال والملوخية والبصل الأخضر والبطاطا والبندورة، وهي سلة غذاء المخيم.
يكملان المسير على خط الحدود إلى أن يصلا منطقة كان يقام فيها سوق كل يوم سبت، ويقصده التجار من جميع أنحاء القطاع.

حسن: وهيك احنا وصلنا سوق السبت؟
يوسف: شو يعني سوق السبت:
حسن: سوق السبت كان موعدا أسبوعيا لمن يريد أن يجد ضالته أو ضالتها من كلاسين وشباحات وجلبيات وعبايات وفواكه وأدوات منزلية وخرفان وأدوية تنظيف وأدوات منزلية وساعات وهدايا وقرشلة وبزر وحلقوم وكنافة وبرد وبوظة وأكياس شمينتو وشيت وشتلات زهور ورياحين وشواكيش وطواري ومفكات وبراغي وإبر خياطة وإبر ملاحف وبطاطين ووجوه مخدات ولعب أطفال بلاستيكية وأسطوانات كمبيوتر واكسسوارات تكنولوجية وموبايلات وكروت شحن وشرايط تحفيظ للأطفال كانت تباع بالكيلو، قبل أن يتم استخراع البامبرز.
يضحك يوسف قائلا: الله يقطع شرك؟
حسن: الله يقطع شري أحسن ما يقطع خلفي. مقهقها كعادته بافتعال.

عند مدخل السوق يبدأ الأسفلت في الانحدار، يتوقف حسن قليلا شاخصا ناظريه في بيت عند بداية الدحلة. للبيت باب عريض ذو ضلفتين من الصفيح المثبت فوق ألواح من الخشب. يدفع حسن الباب ويدلف رفقة يوسف إلى ممر ضيق طويل توزعت على جدرانه أبواب يؤدي كل منها إلى بيت مستقل. يطرق حسن أحدها مناديا: عمي أبو زكي؟ فلا يجيبه أحد. ينادي مرة أخرى بصوت أعلى: يا عمي أبو زكي.. شو شكلك نايم؟ يرد عليه صوت من الداخل: مين على الباب؟ يجيب حسن: أنا حسن ابن أبو عادل. يأتيه الصوت نفسه بالإيجاب: أهلا وسهلا حسن فوت فوت ما في حدا إلا أنا وأبوي. حسن متنحنحا دافعا الباب بيده اليمنى: يا ساتر. أنور ابن أبو زكي: مرحبا بحسن ويوسف: مستورة تفضل يا خوي إنتو وهو.. أهلا وسهلا أهلا وسهلا زارتنا البركة.

يعدل أبو زكي اضجاعته من فوق سرير وضع له خصيصا في مضرب الشمس في قاع الدار. وقاع الدر يمكن اعتباره الصالون أو غرفة المعيشة بمقاييس اليوم. يمد يده مصافحا حسن بعد أن تفحص وجهه أكثر من مرة، مشبها عليه أنه أحد أحفاده. ثم بحلق في يوسف بعد أن غاصت يده في يد أبو زكي، ويد يوسف ترتجف بفعل رجفة من يد أبو زكي الثمانيني الذي قال لابنه أنور:
مين هاضة يا ابني؟
أنور بصوت مرتفع واضعا فمه على بعد سنتيميترات قليلة من أذن أبيه اليسرى: هاضة يابا يوسف ابن ابن أبو سمير؟
أبو زكي الذي تساقطت كل أسنانه الأمامية بفعل الشيخوخة: أبو شمير؟
حسن: الله ينور عليك يا عمي أبو زكي، أيوة شمير، أخو شارون! ثم قهقهة مجلجلة ضاربا كفا على كف.

يميل يوسف على حسن بعد أن استقر بهم المقام على مقاعد بلاستيكية في قاع الدار هامسا في أذن حسن: مين هاضة أبو زكي؟
حسن: يا راجل في حدا في ما بيعرف مين أبو زكي. أبو زكي ملك الطُعمة في المخيم والمخيمات المجاورة وضواحيها مع مراعاة فروق التوقيت. ثم قهقة مجلجلة أخرى، يبتسم لها أبو زكي الذي يلكزه بعكازه في قدمه لكزة خفيفة قائلا: ولك زوق على دمك يا كرخنجي! والكرخنجي هي صفة للشخص الذي يرتاد الكرخانات، والكراخانات هي المواخير، والمواخير هي بيوت الدعارة.المهم، كلمة كرخنجي كانت شتيمة شهيرة في أوساط سكان المخيم. وهي كلمة على وزن طوبرجي، بنشرجي، مكوجي.

يوسف: سألتك قبل هيك شو يعني الطُعمة وللحين ما جاوبتني؟
حسن: الطعمة هي مراكز أنشأتها الأونروا في المخيمات الفلسطينية لتوزيع المساعدات الغذائية يوميا على سكانها. كانت في بداية الهجرة عبارة عن خيم صغيرة، ومع الزمن تطورت إلى بركسات حديدية، ولما طالت العودة أكثر تحولت إلى مقرات رسمية بمبان من الجدران والحديد مثل مباني المدارس والعيادات الصحية ومراكز توزيع المساعدات الشهرية للاجئين (السنتر).

والطعمة في اللغة العربية لها معان عدة، فهي كل ما يُطعم، والرزق، والغنيمة، والدعوة إلى الطعام، والخراج، والإتاوة والجمع طُعَم.
يضحك أبو زكي ضحكة تسبب له اعتلالا في قصبته الهوائية فيسعل على إثرها قائلا: ما شاء الله عليك يا حسن. من وين تعلمت هادي المعاني الحلوة كلها؟
حسن: من الديكشينري يا عمي أبو زكي. وبالفعل كلها معاني جميلة تدل على كرم الضيافة التي كنا نحظى بها في رحاب الوكالة (الأونروا).

أبو زكي: والله كانت أيام حلوة يا ابني يا حسن، بس في البلاد كنا عايشين أحلى. كان جدك الله يرحمه عنده "بد" في القرية، وكان الناس ييجو من كل القرى المجاورة وضواحيها، (يبتسم مكملا: مع مراعاة فروق التوقيت) علشان يعصروا عنده الزيتون على البد. أيام راحت، والله يعلم إذا راح ترجع ولا لأ.
أنور مستنكرا: شو ترجع، نرجع نعصر الزيتون على البد الحجري اللي كانت تحركه جاموسة زي الساقية، واحنا ألحين في القرن الواحد والعشرين!
أبو زكي: إي والله معك حق يا أنور. ما أحلاك يابا لمن تفكر. يلعن راسك ما أكبرها!
حسن: بتحن لأيام الطعمة يا عمي أبو زكي؟
أبو زكي: إي والله.. أحن لها كثيرا.

يتدخل يوسف: خرفنا طيب يا عمي أبو زكي عن الطعمة؟
أبو زكي: والله ما في حيل أتكلم. خلي حسن أبو العُرّيف يخرفك، كان مجنني أيام الطعمة. (وأبو العُرّيْف هو الخبير بظاهر الأمور وبواطنها بمفهوم ساكني المخيمات).

يتنهد حسن تنهيدة طويلة يستجلب معها تفاصيل عمرها أكثر من 20 عاما، يوم دخل الطعمة لأول مرة وهو في السابعة من عمره لتلقي حصته الغذائية رفقة بعض أخوته وأولاد المخيم. يغمض حسن عيناه وكأنه ينظر إلى شريط طفولته بجودة "إتش دي". لحظات قليلة أسند فيها رأسه المثقل بالتفاصيل التي تفوق سنه بسنوات، رتب خلالها  أفكاره قبل أن يطلق العنان للسانه الحكّاي.

الطُعْمَة
في ممر إسمنتي ضيق، بالكاد يتسع إلى شخصين متجاورين، يصطف عشرات الفتية في طابور طويل وعيونهم معلقة بباب أزرق اللون مصفح، يعلوه شباك صغير يكفي لأن يملأ وجه جهاد (أبو تِمْ) ذلك الموظف الغليظ الذي يطل بين الفينة والأخرى على الطابور من خلف الشباك بشاربه الكث ليتأكد من أن الزحام قد بلغ أشده، قبل أن يحن قلبه ويفتح الباب للذين تورمت أقدامهم من طول الانتظار في ابرد القارس.

ممر إسمنتي كئيب، نَعُمتْ حوافه من كثرة دوس أيادي الفتية الطرية عليه على مدار السنين، وتكورت جنباته فأصبحت ملساء بفعل احتكاك أجسام كل مروا فيه. ممر تصاعدي الممشى، فهو يشبه الهضبة، وكأنه بذلك يشعر المارين فيه بأنه لابد من المعاناة من أجل الوصول إلى القمة، وفي القمة هناك حصتك من البيض والخبز والفواكه والمعلبات وحبات زيت السمك. كان الممر -الذي يأخذ شكل حرف أل بالإنجليزية- صغيرا مع تأسيس المخيم، وقد عمدت الأونروا إلى مطه أكثر من مرة كي يسع الازدياد المطرد في عدد سكان المخيم.

تصطف النساء، تحديدا اللائي يصطحبن أطفالهن إلى الطعمة، في طابو موازٍ للممر خارجه. ومن بين هؤلاء النسوة عواجيز متنفذات كانت لهن سطوة مستجلبة من عدد كروت الطعمة التي بحوزتهن. فقد كان لدى الزلوطية مثلا 35 كرتا، وهو نفسه عدد أحفادها. وكان لمثل هذه النسوة حظوة عند أبو زكي، الذي كان يدخلهن قبل أي أحد آخر لأخذ حصصهن من المؤونة.

عند تمام الساعة السابعة صباحا، يسمع الفتية قرقعة المفتاح وهو يدخل في الباب، فيُعدل من مال على أحد جوانب الممر وقفته، ويقف من كان جالسا، ويهبط من جعل من شاهد الممر مقعدا، وتعلو خشخشة الأحذية إثر تحريك الفتية أقدامهم بغية تعديل وقفاتهم، ويفركون الأكياس البلاستيكية التي بأيديهم فرحا، ويلتصق كل منهم في الآخر أكثر فأكثر لسببين: استجلابا للدفء كل من جسد من هو أمامه في سطوة البرد القارس، ثم راحة نفسية توحي بها هذه الحركة للنفس بأن الوصول للمنشود قد اقترب.

على طرف الباب من الداخل مباشرة، وعلى مقعد خشبي عتيق، يجلس أبو زكي وأمامه طاولة متهالكة يعتليها بعض الأوراق والأقلام والدفاتر، وكلها زرقاء وتحمل شعار الأونروا الأزرق أيضا.

ينادي جهاد، ذو الطول الفارع، والفم الضخم، والشنب الغليظ، وهو يرتدي أبرهولا كحلي اللون، وقد غاصت قدماه في حذاء جلدي أسود لين يطول حتى يصل ركبتيه، بصوت عال على الفتية: يلا ولة أنت وإياه واحد واحد. وما أن يقول هذه الجملة حتى يحدث التدافع، حيث يدفش من هم بالخلف من أمامهم، فيعلو صوت جهاد مرة أخرى شاهرا عصاة لا تفارقه أبدا: أنا قلت شوية شوية يا أولاد الكلب. فجأة، يسود صمت مطبق ويعود كل شخص إلى موقعه.
يواصل حسن وصفه باستمتاع وكأنه يقرأ أحداثا مرتبة في قصة يضمها كتاب أثير قديم هو أول من قام بفتحه.

أمام أبو زكي كنت أقف وأمد له كرت الطعمة ذو اللون الأخضر. كرت بحجم نصف ورقة مثل هذه، وعندئذ يُلوح حسن بورقة "أيه فور" بيده. كان الكرت قسمين: العلوي بيانات شخصية، الاسم، تاريخ الميلاد، اسم المخيم، تاريخ الإصدار. أما القسم السفلي منه فهو عبارة عن أيام الشهر من واحد إلى ثلاثين موضوعة في مربعات صغيرة مرصوصة أفقيا ورأسيا. وبالخرامة، يخرم أبو زكي الكرت الورقي من عند المربع الذي يحمل تاريخ اليوم. ثم يدلف الواحد منا إلى ممر يطل عليه شبابيك متراصة، يختص كل موظف فيها بإعطائك نوعا واحد من الطعام. وينتهي الممر بباب للخروج من الناحية الثانية.

بعد أن يدق أبو زكي الكرت، كنت أبدأ بشباك "أبو تم". يأخذ أبو تم الكرت للتأكد من أنه قد خُرِمْ، ثم أفتح له الكيس ويلقي فيه 4 أرغفة صغيرة. في الشباك الذي يليه يقف عوض، أفتح له كيسا آخر فيغرف لي مغرفتين من الحمص المسلوق الساخن المتبل المغمور بالطحينة اللذيذة. في الشباك الثالث "يدردب" الحاج صبحي أربع بيضات مسلوقات. في الرابع يختار لك أبو حسن قطعتين غير مدهنتين من اللحم المعلب ويضعها لك في كيس جديد تمده إليه. أما التحلاية فكانت من أبو خالد الذي يغرف من قدر كبير إلى جواره معلقة كبيرة من المهلبية الساخنة ذات اللون الشوكلاتي الشهي، ويضعها لك في كيس تكون قد خصصته لذلك مسبقا. وفي الشباك الأخير، يطل عليك محمود أبو طويلة وهو جالس على كرسي خشبي طويل مثله، لينقدك 10 حبات من زيت السمك في كف يدك. إلى أن تصل إلى خليل الحارس، فيطبطب على كتفك برفق ويقول لك: صحتين وهنا، أوعكوا تكبوه، كلوه كله .. ماشي. مع السلامة.

تغادر الزلوطية الطعمة من الباب الخلفي وقد أخذت حصة أحفادها على أكمل وجه. علب لحمة مقفلة كما هي، وكرتونة بيض نية، وحمص بالطنجرة، وخبز ربطتين كاملتين مغلقتين، وبودرة المهلبية في مظاريف بلاستيكة مغلقة، وعلبة بلاستيكية كاملة لم تفتح بعد من زيت السمك.

حسن ضاربا جبينه بظهر يده اليمنى قائلا بغيظ: الواسطة... يا ملعون أبو الواسطة، حتى في الطُعمة يا زلمة كان في واسطة. كان الواحد فينا يضطر إلى أكل حصته مرغما، لأنه إن لم يفعل فستخرب. أما الزلوطية فكان يتاح لها استخدم حصتها في أي وقت تشاء، ولا تخشى عليها من الخراب، إذ إنها كلها إما معلبة أو مغلفة أو نية. وفي كثير من الأحيان كانت تفترش الرصيف المقابل للسوق كي تبيع ما لديها من علب لحمة، وكراتين بيض وربطات خبز، فهذه حصة يومية، ويصعب تصريفها بالأكل، وكان منفذها إلى ذلك البيع. تخيل يا عمي أبو زكي كانت توخد الغلة من هين وتروح على السوق من هين وتبيعها! والله كنتوا مسرخة يا عمي أبو زكي!

أبو زكي: شو بدنا نسوي.. خير كان كتير، لكن ما كنا نعرف إنو الوكالة بتشتري سكوتنا عن وضعنا المزري بلقمة عيش كان كل سكان المخيم بيجرو وراها.
حسن: إي والله معك حق، كله مال سياسي. خبز سياسي، حمص سياسي، لحمة سياسية، مهلبية سياسية، زيت سمك سياسي، واحنا راضيين بهذا العلف الذي أنسانا القضية، وتحولت القضية إلى كرت طعمة وكرت مؤن في الآخر.
يوسف: لكن مكان الطعمة مهجور حاليا، ليش سكرت؟
أبو زكي: ماتت الطعمة يا حبيبي ماتت.. ماتت بفيروس أوسلو اللعين. بعد ما الوكالة شافت هالعماير قايمة قاعدة في كل مكان في غزة، وانتشار الأبراج السكنية، صار مش من الأتيكيت إنو يضل في طعمات.
يوسف: طيب وشو صار بالموظفين؟
أبو زكي مشيحا بيده اليمنى في الهواء: وزعوهم، اللي راح على السنتيشن يشتغل كناس، زي أبو تم ومحمود أبو ظولة، واللي رموه على العيادة سكرتير زي أبو صبحي، واللي وظفوا فراش في واحدة من مدارس الوكالة.. وتشتتوا الشباب في كل قرنة من قرن مؤسسات الوكالة اللي ضايلة. صارت يعني زي ما تقول عندهم هجرة داخل الهجرة. ولجوء جديد أصغر داخل لجوء قديم أكبر. الوكالة مش زي زمان يا عم، الوكالة صارت تحلقنا، وعلى الناشف كمان.
يوسف: شو السنتيشن يا عمي أبو زكي.
عدّل أبو زكي اضجاعته مجددا، وصرخ بصوت متحجرج على ابنه أنور وهو يتأخخ: ولع يابا حطب في الكانون، وحط البكارج على النار شلكها ليلتنا صباحي.


قضى يوسف ليلته بأكملها وهو يستمتع من أبو زكي عن حكايات البلاد، ثم الهجرة، وبعدها شظف العيش في اللجوء، وما تلاها من انتفاضة أولى راح فيها ثلاثة من أبنائه شهداء، وفي الثانية ذهب اثنان آخران، ليبقى له أنور وحيدا، يعيله في شؤون حياته، ويعينه عند كل عصرية في الجلوس على قارعة المخيم. وعند القارعة، وما أدراك ما القارعة، تلك القارعة الشاهد الملك على كل حكايات من جلسوا على حافتها بانتظار العودة منذ عام 1948. تلك القارعة التي ما زالت تختزن تفاصيل الزيجات التي عرفها المخيم منذ عام النكبة وحتى عام 1994. تلك القارعة التي تعرف أسماء مطلقات المخيم وأرامله وشهدائه وجرحاه ومعتقليه ومبعديه وجواسيسه ومقاتليه بالواحد، على مدار الانتفاضتين: الحجارة والأقصى، والتي أضيف إليها أخيرا انتفاضة السكاكين.