Friday, February 21, 2014

هذا ما تفعلهُ بِكَ الغُربَة..

هذا ما تفعلهُ بِكَ الغُربَة..

حين ترتدي قميصا جديدا، ولا يعني لك شيئا كل من يلفت انتباهه جديدك، إلا واحد بعينه تريده أن يقول لك ”قميص جميل“ فلا تجده.

حين تنجح في درب من دروب الحياة، فلا تحفل بكل مباركات من تعتبرهم ”كماً مهملاً“، طالما أن واحداً بعينه تريده أن يقول لك ”مبروك“ فلا تجده.

حين تحقق إنجازا فيبادلك ممن تعتبرهم ”عابرون“ كلمات الإطراء، وفي قرارة نفسك أن كل هذا لا يعني لك شيئا، ما لم يقل لك شخص بعينه كلمة تَجبُ كل هذا المديح المؤقت، فلا تجده.

حين تتوالى عليك الأعياد، وتتخطاك المناسبات السعيدة واحدة تلو الأخرى، فتستجدي التهاني عبثاً ممن تفترض أن يُشعرك بوجودها، وفي بالك لفتة من نوع خاص من أحد يعني لك الكثير، فلا تجده.

حين ترتدي بدلة إيطالية، وربطة عنق باريسية، وحذاء إنجليزي أنيق، وتندس بين الزحام، فيمر من حولك الناس دون أن يعني لهم ذلك شيئا، وتبحث بينهم عمّن فعلت هذا لأجله، فلا تجده.

 حين تلقي نكتة مستجدياً ضحكات الآخرين، وتعرف أنها كلها زائفة، في محاولة لإثبات خفة ظلك، وتبحث بين غوغائية الضحك عن واحدة بعينها تدخل السرور الحقيقي إلى قلبك المكسور، فلا تجدها.

حين تقرأ كتابا تلو الآخر، رواية، فكرا، فلسفة، تاريخاً، سياسة، إعلاماً، حتى كتب الأطفال، ثم تحدوك الرغبة في  مناقشة هذا الكم المعرفي مع من تفترض فيه ثقافة، وفي خاطرك شخص بعينه لن يشفي غليلك إلا هو، فلا تجده.   

حين تكتب نصاً وراء نص، وفي النص ملاذ أخير تركن إليه لاستجلاب سعادة مصطنعة وسط كل هذا الهم، فيقرأها كثيرون، ولا تعني كل كلمات الإطراء التي تدبج بها شيئاً، ما لم تأتِ من قارئ بعينه، تبحث عنه، فلا تجده.

حين تحصل على درجة علمية عالية (ماجستير أو دكتوراه)، فلا تعني لك أحضان الزملاء وتبريكاتهم وملاطفاتهم شيئاً، طالما أنك تريد أحداً بعينه إلى جوارك في هذه اللحظة بالذات.. تنشده، تبحث عنه بين زحام الوجوه،  فلا تجده.

حين تجتهد في تطوير عملك، وترتقي سلماً مهنياً حفراً في صخر الحياة، فلا يعني هذا شيئاً لمن حولك من أنصاف المتعلمين، حاملي الشهادات المزورة، ممن لا تعرف تاريخاً مهنيا ولا علمياً لهم، وتريد أن يبرر لك أحد بعينه كل هذا التناقض، فلا تجده.

حين ترى كثر من مدعي الثقافة، وحديثي العهد بمهنتك، يتولون مناصب تعلوك، ثم يأتي أحدهم ليشرح لك بتفصيل البلهاء شيئاً مما قد تلقيته حين كان هو غائب عن الكون في مجاهل الأرض، ثم تبحث بين كل هذا الكم الغث عمّن يلامس فكرتك في الحياة، فلا تجده.

حين يذكرك أحدهم برسالة نصية بيوم ميلادك، فتنظر إلى الأجندة السنوية للتأكد من صحة هذا التاريخ، بعد أن سقط من ذاكرتك الشخصية منذ سنوات، ثم تنظر في مرآة الكون بحثاً عمّن تحتفل معه، فلا تجده.

حين تتلمس جيبك الخلفي في اليوم عشرات المرات، ولو حصل إن لم تجد المحفظة لأنك وضعتها في حقيبتك مثلا، فهذا يعني سقوطاً مفاجئاً لقلبك بلحظة في أخمص قدمك، ثم تبحث عمّن يواسيك في هذا الموقف، فلا تجده.

حين تصحو بعد ساعات طويلة من النوم، واليوم يوم إجازة، ثم أول ما يتبادر إلى ذهنك السؤال التالي: لماذا أنا صحوت؟ تتناول فطورك مما تجود به الثلاجة، ثم تخرج بحثا عمّن تقضي معه يوماً جميلاً، فلا تجده.

حين تجوبُ بسيارتك شوارع المدينة المقفرة ليلا ونهارا، بلا محطة تَوقُفْ تنشدها، تهبط ودياناً، وتعلو سهولاً، لتجد نفسك فجأة في مواجهة الشاطئ. تترتجل حتى تصل البحر. تناجيه بأن يرسل لك من تحب، فلا تجده.

حين لا يُغادِركَ الملل إلا بقرار منه، إن تذكر أن يقرر، فالملل ظل المغترب، ولذا فإن الشمس بالنسبة له تعنى مأساة جديدة في عِدَاد الأيام. تحاول قتل الملل بالتيه في زحام الوجوه بحثاً عمّن تلقي في جيبه هذا الحمل، فلا تجده.

حين تصلك رسالة نصية قصيرة نهاية الشهر تخبرك بتسلم الراتب، فلا يعني لك هذا خبراً سعيداً، ثم تخرج عن نطاق تفكير جسدك جغرافياً، باحثاً عمّن تشتري معه، وتقاسمه ولو جزءاً يسيراً من سعادة مكدسة على أرفف متجر الحياة، فلا تجده.

حين تَسقطُ مِنكَ أشياءٌ، ويَتسربُ من بين يديكَ كثيرٌ من متاع، فلا تلتفت لما سَقطَ أو تسرب، إذ إن قانون الغربة يدفعك على الدوام إلى مواصلة المسير وعدم الانحناء أو حتى الالتفات للخلف، وإن فعلت فهذا يعنى موتك المحقق  تحت أقدام الآخرين... وهكذا، فإنه عندما تَفقِدُ المعنى، لا تَسَلْ عن القيمة، ولا حتى الثمن.


Tuesday, February 18, 2014

النشرة الاقتصادية.. وكأنها ”بيس أوف كيك“

النشرة الاقتصادية.. وكأنها ”بيس أوف كيك“

هل تابعت يوما نشرة اقتصادية حتى آخرها على إحدى القنوات الفضائية العربية؟ إن كنت فعلت ذلك، فهذا فعل يدعونا لأن نسألك: هل فهمت ما معنى ”النقطة“ حين تقول المذيعة أن المؤشر ارتفع أو انخفض إلى ٦٥٢٠ نقطة مثلا؟

وإن كنت أحد هواة ”المعرفة الاقتصادية“ عبر التلفاز، ورغبت في فهم أعمق لما يرد في النشرة الاقتصادية من مصطلحات أكثر، فبكل تأكيد استوقفتك كلمة مثل ”مؤشر“، وإن فهمتها حقاً فأنت ”محظوظ“.

لنفترض أنك بالفعل ”محظوظ“، وتمكنت من الإجابة على السؤالين السابقين، فهذا سيغرينا لنذهب معك إلى ما هو أعمق، ونسألك: ماذا يعني ”ارتفاع السهم“ أو انخفاضه؟ الآن تذكرت شيئا آخر: ما معنى ”السهم“؟

أراك الآن قد بدأت تحك ”بورصة“ شعر رأسك. بالمناسبة، ما هي ”البورصة“؟ وهل هناك فرق بينها وبين ”سوق الأوراق المالية“؟ إن نجحت في الإجابة على أسئلة هذه الفقرة -باعتبارك مشاهدا عربيا بسيطا للفضائيات العربية- فأنت لست ”محظوظا“ فقط، بل ”ابن محظوظة“!

وأنت تقرأ هذه الأسئلة، أعرف أنك تتوقع الإجابة عنها. لكن يؤسفني أن أقول لك إنه كنت تتوقع الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها مما تقذفنا بها مذيعات النشرات الاقتصادية في الفضائيات العربية يوميا صباح مساء، فأدعوك إلى التوقف فورا عن متابعة القراءة، فهذا المقال لن يشفي غليلك باعتبارك مشاهدا عاديا، تماماً كما هو أنا.

فمنذ أيام، دأبت -باعتباري مشاهدا عاديا وبسيطا- على متابعة النشرة الاقتصادية في أكثر من فضائية، في محاولة لفهم ما يرد فيها من مصطلحات، لا فهمها هي بالتحديد، إلا أن محاولاتي هذه باءت بالفشل، وكنت أخرج على الدوام بـ”صفر معرفي اقتصادي“ كبير.

عدم الفهم هذا، دفعني لأستعين بأكثر من زميل صحفي ممن يشتغلون منذ سنوات بالأخبار الاقتصادية، وسألت بداية عن معنى ”النقطة“. من بين أربعة قال لي واحد إنها ”وحدة قياس“، تشبه تماماً كلمة ”سيلزيوس“ أو ”فهرنهايات“ وحدة قياس درجة حرارة الطقس. الثلاثة الآخرون لم يعرفوا معنى ”النقطة“!

قال لي أحد الثلاثة -في محاولة لتبرير عدم معرفته على ما يبدو- إن النشرة الاقتصادية هي فقرة متخصصة وموجهة بالأساس إلى ذوي الخبرة في مجال الاقتصاد والعارفين فيه. قلت: مادام الأمر كذلك، لماذا تبث ضمن قنوات فضائية عامة موجهة بالأساس إلى جمهور عربي أكثر من ٦٠ في المائة منهم أميون؟ أليست مهمة الإعلام أن يبسط ما هو معقد من الأشياء للعامة؟ 

ولو افترضنا أن الأربعين في المائة المتبقين متعلمون، فكم واحد منهم يا ترى على درجة عالية من الاختصاص في الاقتصاد كي يعي النشرة ويفهم مقاصدها؟ ولو اعتبرنا أن عشرة في المائة من بين الأربعين في المائة مختصون اقتصاديون، أو متابعون جيدون للنشرة الاقتصادية، فهذا يعني أن النشرة موجهة إلى واحد في المائة فقط من الجمهور العام.

السؤال: لماذا تهتم القنوات الفضائية العربية بجمهور لا تتجاوز نسبته واحد في المائة في نشراتها الاقتصادية وتترك  ٩٩ في المائة من الجمهور العام ضحايا عدم المعرفة؟ إلا إن كانت تنظر إلى نشرة الاقتصاد على أنها ”تعبئة هواء“!

أعتقد أن النشرة الاقتصادية ستكون مجدية أكثر للجمهور العام لو ارتبطت أكثر بطرح قضايا من قبيل أسعار رغيف الخبز، وقنية الزيت، وكيلو الطماطم، ولتر البنزين، والخدمات العامة مثل الكهرباء والماء والاتصالات.
وستكون النشرة الاقتصادية -في رأيي- مفيدة أكثر، ولها جمهورها الأوسع، إن طرقت موضوعات من قبيل تكاليف المدارس، ورسوم الجامعات، وتعرفة المواصلات العامة، وضريبة السكن، وفاتورة تلقي العلاج.

هذه الأشياء وغيرها مما تشكل هاجسا يوميا لغالبية أرباب الأسر في مجتمعاتنا العربية التي يعاني بعضها من نسب فقر تتجاوز في المتوسط الستين في المائة، وبطالة تزيد في المتوسط عن الأربعين في المائة، تكون الدعوة معها ملحة لأن تركز القنوات الفضائية العربية جهودها لطرق قضايا هذه النسب العريضة من العامة، وأن تترفع قليلا عن ”طبقية“ التناول الاقتصادي للموضوعات.

بالمناسبة، ما معنى ”الصكوك“؟ وما معنى ”السندات“؟ وهل هناك فرق بينهما؟

وإلى حين أن يجيبنا القائمون على النشرات الاقتصادية في الفضائيات العربية على هذه الأسئلة وغيرها، سيبقى العامة بعيدين عن فهمها بنفس المسافة الفاصلة بين فهم المختصين ”للنقطة“ وهاجس الفقير بسعر ”رغيف الخبز“!

Tuesday, December 31, 2013

المقال التلفزيوني


المقال التلفزيوني
حين يكون الرأي مُصوراً..

يوم قال فوزي بشرى إلى الرئيس المصري السابق حسني مبارك يوم تنحيه في الحادي عشر من فبراير ٢٠١١: ”اليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية“، انتفضت عن مكتبي -وقد كنت حينها أعمل في الموقع الإلكتروني لقناة العربية السعودية- لدرجة لفتت نظر الزملاء الذين تجمعوا من فورهم لمتابعة ما يقول بشرى. وما أن انتهى بث "القطعة الصحفية" على شاشة الجزيرة القطرية، دار بيننا نقاش طويل بشأنها، اتفقنا في ختامه على شيئين: قوة اللغة، والرأي الطاغي على الطرح.

وصلت البيت، استمعت للتقرير مرات ومرات، ثم لمعت في ذهني فكرة أن أحول كلامه إلى نص مكتوب. أمسكت بالنص (٦٢٠ كلمة)، وقرأته مرات ومرات، وطرحت على نفسي السؤال التالي: ماذا يمكن أن نسمي هذا النوع من التأطير الصحفي للحدث؟ يعرف الدارسون للصحافة وممارسيها أن هناك الخبر، التقرير الإخباري، التحقيق الصحفي، القصة الصحفية، والمقال، إلا أن هذا النوع لا يقع في أي منها.

ومنذ ذلك الحين، انصب تفكيري على إيجاد توصيف لهذا النوع الجديد من التناول الصحفي للأحداث، لا سيما وأنه بات ظاهرة مألوفة في عدد غير قليل من الفضائيات العربية، ولمع نجمه أكثر بعد الثورات التي انطلقت في عدد من الدول العربية مطلع عام ٢٠١١. واهتديت أخيراً إلى أن أطلق على هذه الظاهرة التلفزيونية الجديدة اسم ”المقال التلفزيوني“.

في هذا المقال الأطروحة نحاول التنظير لهذا المفهوم الجديد عبر تقديم توصيف له ثم تعريف، ودواعي استعمالاته، بدايات تطبيقاته، أنماط استخداماته، أبرز نجومه، ونماذج عملية له. 

وفي هذا المقال أيضا، لا نحاكم المضامين، بل نوثق فقط لنوع جديد من الأنواع الصحفية التلفزيونية لم يكن معروفا من قبل.

توصيف
يشبه المقال التلفزيوني إلى حد كبير المقال الافتتاحي للصحف المرموقة، إذ إن الأخير يتناول رأي الصحيفة في الحدث الأبرز لليوم، ويطرح رؤية المؤسسة الصحفية من الناحية التحريرية في ما تراه تفسيرا أو تحليلا للحدث، ويعبر عن وجهة نظرها الخاصة فيه.

ويشبه المقال التلفزيوني أيضا المقال الصحفي في أن الأول يبث للمرة الأولى في نشرة الأخبار الرئيسية للقناة التلفزيونية، مثل "حصاد اليوم" في قناة الجزيرة القطرية، وذلك لاعتبارات تتعلق بالزمن في ممارسة العمل التلفزيوني.

ويقابل ذلك في المقال الافتتاحي نشره في مكان محدد وثابت في الصحيفة، وذلك لاعتبارات تتعلق بالمساحة في ممارسة العمل الصحفي المكتوب. وغالبا ما يكون موضعه في الصفحة الأولى للصحيفة، مثل ما تفعل صحيفتا "الحياة" و"الشرق الأوسط" السعوديتين.

ويعرف الممارسون في حقل العمل التلفزيوني أن التقرير التلفزيوني الذي يصف حدثا واحدا، أو يُجمل أحداثا عدة ذات صلة، أن مكوناته هي: ٥٠٪ صور، ٣٠٪ صوت، و٢٠٪ نص مكتوب.

ومثال ذلك أن التقرير التلفزيوني ذو الدقيقة الواحدة يلزمه نص من ١٢٠ كلمة فقط، وأن التقرير ذو الدقيقة ونصف الدقيقة يكون نصه المكتوب ١٨٠ كلمة. وفي حال تضمن التقرير تصريحا لشخص ما (كليب)، يكون النص أقصر، لأن الكليب يحتسب من زمن التقرير.

وبذلك، يختلف المقال التلفزيوني عن التقرير الإخباري في أمور ثلاثة: طول المادة المصورة، ولغة النص المستخدمة ومفرداته، والصوت ”الخطابي“ لقارئ النص. وهذا بدروه يتيح لمحرر المقال التلفزيوني الاقتراب كثيرا من الإسقاطات من نصوص قرآنية، وأشعار، وحكم، وأقوال مأثورة تعطي الحدث زخما أكبر، وبعدا أعمق، عادة ما يكون تاريخيا.

ولدواعي طول المقال التلفزيوني، فإنه من المفضل أن يتضمن كل ٢٠ ثانية تقريبا، صوتا طبيعا من ميدان الحدث، وهذا مهم لناحيتين: أولا إعادة جذب انتباه المشاهد للمتابعة، إذ إنه بعد ١٥ ثانية تقريبا يفقد المشاهد التركيز. ثانيا يشكل هذا التوقف القصير فاصلا يريح المتابع، ويسمح للمحرر بالانتقال إلى زاوية جديدة من الحدث.

وهكذا، فإن هذا النوع من القصص المتلفزة، لا تقتصر لغتها على الكلمات الإخبارية المعهودة، بل تذهب بعيدا في ما وراء اللغة، مدججة بالكنايات والاستعارات والاسقاطات اللغوية، بالإضافة إلى توظيف الظروف المرافقة للحدث في بعدها المكاني والزماني.

تعريف
يمكن القول أن المقال التلفزيوني هو الرأي التحريري للمؤسسة التلفزيونية في حدث بعينه، يبنى على قاعدة إخبارية، بمنطلقات تتيح للرأي احتلال المساحة الأبرز فيه، باستخدام لغة جزلة ورصينة وخطابية، غير إخبارية ولا تقريرية، وبمساحة زمنية تتخطى حدود الدقائق الخمس زمنا، والخمسمائة كلمة نصا.

أنماط
للمقال التلفزيوني أنماط عدة، يمكن أن نجملها في ثلاثة:

١- نشرات الأخبار الرئيسية
دأبت القنوات التلفزيونية الإخبارية على بث المقال التلفزيوني في نشراتها الإخبارية الرئيسية، وعادة ما يكون البث للمرة الأولى في نشرات ذورة المشاهدة (Prime Time)، والتي غالبا ما تكون مسائية. مثال ذلك ”حصاد اليوم“ في قناة الجزيرة الفضائية القطرية.

ويُقدم لهذا المقال ضمن نشرات الأخبار بمقدمة تتسق بمفرداتها وجملها مع مضمون المقال، بما يتناسب مع الرؤية التحريرية للقناة في الحدث موضوع المقال. وفي الغالب يأخذ المقال موضعا متقدما في النشرة الإخبارية (Rundown). عادة ما يكون رقم واحد.

مقال فوزي بشرى في نشرة ”حصاد اليوم“ على شاشة الجزيرة في الحادي عشر من فبراير ٢٠١١ مثالا.



٢- افتتاحيات النشرات الرئيسية
تفضل بعض القنوات التلفزيونية الاستعاضة عن المقال المصور، بأن يتم الإيعاز للمذيع بقراءة نصه فقط دون أن يرافقه صور، ويكون ذلك في مطلع النشرة الإخبارية الرئيسية. ويتبع هذا الأسلوب من البث قناتي ”الجديد“ و”المنار“ اللبنانيتين.

نورد هنا مثالا لهذا الأسلوب من قناة ”الجديد“ التي بدأت مذيعتها داليا أحمد نشرتها الإخبارية الرئيسية المسائية بهذه المقدمة بشأن المواقف العربية عن حرب إسرائيل على قطاع غزة (٢٧ ديسمبر - ١٨ يناير ٢٠١١).



وتبدو لغة جسد للمذيعة في هذه المقدمة، عبر التعبير عن الكلمات بحركات وإيماءات بوجهها تناسب النص، مهمة جدا، إذ تستعيض من خلال قوة الإلقاء عن الصور التي يفترض أن تصاحب النص، كمال هو الحال في المقال التلفزيوني المصور.

٣- مقدمات البرامج
نجد نمطا ثالثا من أنماط المقال التلفزيوني في مقدمات البرامج التلفزيونية الحوارية (Talk show)، والتي يمهد فيها مقدم البرنامج لموضوع الحلقة من الناحية التحريرية برأي القناة في القضية موضوع النقاش. إذا إن اللغة ليست إخبارية محضة، بل تتجاوز الخطوط الإخبارية إلى إبداء الرأي التحريري للقناة في القضية على لسان المقدم.

ومثال ذلك، مقدمة برنامج ”آخر كلام“ في ٢٢ مايو ٢٠١٣. والبرنامج من تقديم يسرى فودة على قناة ”أون تي في“ المصرية.



رواد
بدأت ظاهرة المقال التلفزيوني تشيع في وسائل الإعلام العربية المتلفزة مع انطلاق البرامج الحوارية في الفضائيات العربية مع نهاية التسعينات من القرن الماضي ومطلع الألفية الجديدة. 

ومع أنه لا يوجد تاريخ محدد يؤرخ لانطلاق هذا النوع الصحفي الجديد، إلا أنه بالنظر إلى مقدمات البرامج الحوارية في بعض القنوات الفضائية العربية في هذه الفترة يمكن الوقوف على بدايات بروز هذه الظاهرة إلى السطح.

ويمكن أن نشير هنا إلى مقدمات برنامج "حوار مفتوح" الذي قدم أول حلقاته على شاشة الجزيرة غسان بن جدو عام 2000، وبرنامج "أكثر من رأي" تقديم سامي حداد، وأجزاء من برنامج "سري للغاية" على لسان معده ومقدمه يسري فودة، على قناة الجزيرة.

وبدأت الظاهرة تتطور تدريجيا، إلى أن أخذت تزحف رويدا رويدا على النشرات الإخبارية في شكل تقارير. ومن بين من لمعت أسماؤهم في هذا المجال فوزي بشرى، وماجد عبد الهادي، وعباس ناصر وكلهم من قناة الجزيرة الفضائية القطرية.

إلا أن هذا "المقال الظاهرة" –والذي يصح أن نطلق عليه أيضا "الرأي المصور"- أخذ حيزا أوسع في نشرات الأخبار ومقدماتها، مع اندلاع أولى الثورات العربية عام 2010 في تونس، وما تلاها من تصاعد وتيرة الأحداث السياسية في بلدان عربية عدة أطاحت أنظمتها السياسية.

ويفتح هذا النوع الجديد من "القطع الصحفية" المجال واسعا أمام الباحثين في مضامين الإعلام التلفزيوني العربي، والمهتمين في مجال التحرير الكتابي والتلفزيوني، من أجل التأطير لهذه الظاهرة الجديدة وفق معايير يمكن لها أن تقعد لها من الناحية الأكاديمية.

لفتة: شكرا جزيلا للمعلم سعود الحركان الذي أهداني فكرة الكتابة تحت عنوان متفرد لا يوجد غيره في غوغل، وهذا واحد منها.

Monday, December 23, 2013

بزنسة الثورة


بزنسة الثورة

تبدع شركات التكنولوجيا في تسويق منتجاتها مستندة إلى سمعتها التي تملئ العالم. شركة أبل التي أنتجت آيفون مثالا. فبعد فترة وجيزة، وصلت الشركة مرحلة إدمان الإنتاج، وتحت وطأة تعظيم الربح، وضغط سرعة الانتشار أطلقت إلى السوق منتجات هامشية تبتز بها جيوب المستهلكين. كأن تنتج سماعات خاصة لأجهزتها، أو حقائب جلدية فاخرة لمنتجاتها، أو آلات تخزين معلومات تحمل شعارها. سيتباهى المستهلك المسكين لاحقا بأنه مغمور بمنتجات أبل.

وعلى المنوال ذاته تغزل الثورات، بأن تبدع أولا في إزاحة نظام ديكتاتوري، ثم تبدأ مرحلة إدمان الإنتاج، لكن مبكرا، فتنتج على عجل أحزابا ومغنين وملحنين وشعراء وسياسيين جددا يغنون للثورة أشعارا، أو يتغنون بها نفاقا، فتزدهر المطابع بإنتاج البوسترات، وينشغل الخياطون بحياكة الأعلام الوطنية والحزبية. وإن لم تشتر علم حزبك، فبإمكانك شراء علم الخصم لحرقه، وفي الحالتين يعني هذا نقودا للمستثمرين الجدد من الخياطين. و"الخياطون" كثر.

وفي الحالة الفلسطينية، باعتبارها أولى الثورات، مع فارق الخصوم، فقد أنتجت شعراء ومغنين ما زال كثير منهم إلى يومنا هذا يتغذون على ما تبقى، أو ”تخشب“ من شعاراتها، مستغلين إدمان الجماهير للحالة الثورية، وقدسية القضية التي لا يمس لها طرف، والذي عادة ما تترجمه حفلات لا تنقطع تنظمها شركاتهم "الفنية الثورية" كي تبتز جيوب الثوريين الجدد، أو حتى العاشقين (فالرقص كثير)، طالما أنها تنتج أغان مدبجة بكل ما تحمل الحالة من كلمات ثورية. مارسيل خليفة، وأبو عرب مثالان.

وكان ممن استفاد من هذه الحالة أيضا، مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام ٢٠٠١، رجل أميركي مشرد وجد في بيع الأعلام الفلسطينية مصدرا للرزق حين كان يحث المارة على شرائها دعما للفلسطينيين. ولما فرغت خزائنه من الأعلام الفلسطينية، وأفرغ أيضا جيوب عدد معتبر من المستهلكين المؤيدين للقضية، تحول إلى بيع الأعلام الإسرائيلية. وعندما استنكر عليه نفس المستهلكين بيع المنتج الجديد، قال لهم: ”اشتروه وأحرقوه“، فكانت فكرة مبتكرة لتعظيم الربح، فالتاجر الشاطر لا تخذله حيل التسويق، وكذلك هو "المغني الثائر" أو "الثائر المغني" الراكب للثورة.

إيراد أسماء ممن استفادوا من الثورات ليس اعتباطيا هنا، بقدر ما يجب أن يمليه على الشخص ضميره من محاكمة كل ما يمكن أن يعتبره البعض مقدسا، من شخوص ومؤسسات راكمت الملايين على مدار عقود من تاريخ ما يصح اعتباره ”متاجرة“ في جميع ”خطوط إنتاج“ القضية الفلسطينية. غزو الكوفية الفلسطينية رقاب الحسناوات في أوربا، والشباب في أميركا مثالان. مرة أخرى، مصانع الخياطة هي المستفيد الأول.

وإذا ما اتسعت الدائرة الثورية لتشمل المحيط العربي، خصوصا تلك الدول التي تشهد ربيعا لم يتوقف من ثلاث سنوات، نجد أن الحالة قد خلقت مغنين جددا يغازلون بأعمالهم الفنية الثورة (والفن أنواع، منه واحد بجانب الحيط)، ومعها يغزلون على أوتار جيوب الثوار "المفترضين" الذين يدفعون دون تردد لكل ما هو من "رائحة" الثورة كي يطربوا آذانهم. الأغاني الجماعية والفردية للكثير من الفنانين المصريين، الذين تغنوا بثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، ولاحقا بانقلاب السيسي في ٣٠ يونيو ٢٠١٣ مثال.

وفي الحالة المصرية أيضا، لكن على صعيد الكتب، أنتجت الثورة كتبا لكتاب مجهولين، ما كان يمكن لأفقر القراء ثقافة أن يقترب منها، لولا إدمان التسويق الذي ركب موجة الثورة في غفلة من خفر الوعي، بحيث سمحت لكل شيء أن يكون بضاعة رائجة، تحت اسم مقدس ”الثورة“. كتابا ”مرسي ودموعي وابتساماتي“ لمحمد فتحي، و”الرئيس الفهلوي“ لـ"الدكتور" محمد الباز مثالان. و"الدكاترة" كثر.

ولو أعمل طفل، لم يتجاوز بعد عامه الخامس عشر عقله في غوغل نسخا ولصقا، على مدار يومين (٤٨) ساعة فقط، لأنتج أفضل منهما بكثير. ولأنه في زمن الثورة كل شيء يمكن أن يكون سلعة رائجة، فمن ذا الذي يمنع أنصاف مثقفين، أو حتى أرباعهم، من استغلال الحالة؟

ثم تحول إعلاميون فجأة، ودون سابق إنذار أو تحذير للمشاهدين أو تمهيد حتى لأنفسهم، إلى ثوريين، سرعان ما أهلتهم الحالة ليكونوا سياسيين، منهم مؤيدون لأنظمة سابقة (مراسل الجزيرة السابق من القاهرة حسين عبد الغني، وهو صديق جمال مبارك، مثالا)، وآخرين مناوئين لها ”شبه حقيقين“ (الناطق باسم حزب البرادعي خالد داود). ناهيك عن آخرين كثر تركوا مواقعهم الإعلامية رغم أنه لم ير أي منهم في ميادين الثورة. ففي السياسة يكون تعظيم الثروة أسرع، إذ إن الإعلام فقير.

حتى أنت أيها الثائر الصغير في أحد ميادين الثورة، فإنه من الوارد جدا أن تصيبك لوثة البزنسة فتفتح محلاً لبيع الأعلام أو صور الثوار البارزين، أو صور من سقطوا ضحايا للثورة، أو صور السيسي ومرسي معا، وكذلك دبابيس أو "دباديب" رابعة لطالبات الجامعات. فطالما هناك من يشتري لم لا يتم استغلال آلة الإنتاج؟


قيل يوما إن الثورة قد بيعت، بعد أن زعم البعض أنها لم تعمر طويلا. وعند لحظة البيع، في أدبيات الثورات، يتوقف تعظيم الربح. لكن ماذا عمن ما زالوا يتاجرون فيها منذ عقود، ويبدعون يوميا في استغلالها واستغلال رموزها، ليس إلا لأنهم اختاروا وبعناية فائقة، كلمات مقدسة رافقتها، تبقى على قلوب الثوار العاشقين متعلقة بمن يرددها إلى الأبد.

Sunday, November 17, 2013

”وينضم إلينا مدير مكتبنا“

”وينضم إلينا مدير مكتبنا

          ”هذه العبارة كذبة كبرى“.. هذا ما أكده لي قولا مراسلان صحفيان ما أن يظهر أحدهما على شاشة تلك القناة الفضائية الشهيرة حتى يقول المذيع مفخما صوته: ”وينضم إلينا مدير مكتبنا من ... “، وعلى الفور يظهر شريط أسفل رأس المراسل يحمل عبارة: ”مدير مكتبنا في ...“ متبوعا بشريط آخر يحمل اسمه.

وتلك العبارة هي آخر صيحات الموضة الإعلامية لدى الفضائيات العربية في خضم فرحتها في تجريب الآلة واستغلالها تحت وطأة الضحكات العريضة للمستخدمين بجمالية الإنتاج الذي أتاح للكل أن ينتج ما يريد، طالما أن هناك مشاهد لا يعترض البتة على عورات المنتج.

ويعرف كثير من الصحفيين أن هناك أربع عواصم رئيسة لا تخلو من وجود مكتب كبير لمعظم الفضائيات العربية: القدس، القاهرة، لندن، واشنطن. وكي لا يكون هناك تجنٍ على أحد عبر التعميم، يمكن أن نقتنع بصحة هذه عبارة ”وينضم إلينا مدير مكتبنا“ لو كان في واحد من هذه المكاتب أكثر من ثلاثين موظفا، على سبيل المثال لا الحصر. حينها يمكن فهم وجود رئيس ومرؤوسين.

لكن هذا لا يتحقق على الدوام. ففي بقية العواصم التي مازال المراسلون فيها يحملون التوصيف ذاته، فإنه في أحسن الأحوال لا يوجد للقناة إلا مراسل ومصور وغرفة في إحدى العمارات وسط العاصمة. وفي عواصم أخرى لا يوجد إلا مراسل دون مكتب، والمصور مستأجر من شركة مزودة للخدمة، والتي تقوم بدروها بإتاحة خدمة البث المباشر للقناة في حال احتاجت تعليقا من المراسل على حدث ما.

أما في ما يخص فهم القناة لهذه البدعة في إطار تسويقها عند المشاهد ”الغلبان“، فإنها ربما تريد أن ترفع درجة صدقية المعلومات التي يقولها المراسل من خلال رفع درجة الوصف أيضاً إلى ”مدير مكتبنا“، وهكذا يصبح المراسل في وجه نظر المشاهد شخص لا يأتيه الباطل من أي جانب. أما بالنسبة للقناة، فقد أضفت على النشرة نوعا جديدا من ”البرستيج“ باعتباره سبق لم يأتِ به أحد من قبل.

يتطور الأمر لاحقا فيصيب بعض المراسلين في العواصم الهامشية، مثل جوبا، ”غيرة المسمى“، فتندلع أزمة داخل المؤسسة بشأنه. ثم يطلب أولئك الذين يطلق عليهم الوصف ولا يوجد مكاتب تأويهم، إنشاء مكتب بالفعل، كي يلقى المسمى ترجمة له على الأرض، فيتم إبلاغهم أن الميزانية لا تسمح بذلك. لكن، تبقى القناة على إطلاق الوصف الشهير عليهم كأحد مكملات البهرجة الإعلامية.

وهذا المفهوم المتضخم في المسميات لدى الفضائيات العربية له قرينان. الأول يتعلق باستحداث فضائيات ضمن الفضائية الواحدة. والثاني إرسال موفدين إلى أصقاع بعيدة في الأرض.

فقد رأينا كيف أنه فجأة تصبح القناة الوليدة للتو، شبكة قنوات لا يكاد يسعها الفضاء. تنقل القناة الأم جزءا يسيرا من المؤتمر الصحفي قبل أن تحيل المذيعة الرشيقة بلباقة المشاهد إلى متابعة الحدث على القناة المباشرة. وهذه الأخيرة ما هي إلا غرفة يعمل فيها فنيان ومذيع في بعض الأحيان. لكن وجودها في الهواء الذي لا تقسمه حدود ولا تحول دونه جغرافيا، يجعل لهذه ”القناة الغرفة“ سطوة الإمبراطورية لدى المشاهد ”الغلبان“، مرة أخرى، وفي ذلك مقال.

أما في ما يتعلق بالمراسل الموفد إلى الخارج، خاصة إلى دولة غربية، فإن هذا الفعل يمثل أيضاً كذبة لا تقل في حجمها عن كذبة ”وينضم إلينا مطير مكتبا“. فبينما يبقى المراسل الموفد حبيس رواية مترجميه بشأن الحدث، وكذلك منتجي الشركة المزودة للخدمة، فإن ظهوره على الشاشة يشكل للقناة واحدا من مكملات برستيج التغطية، في ما يشبه تحميل المشاهد ”الغلبان“ جميل خرق العادة بتكليف نفسها بإرسال موفد لها خارج الحدود.

هذا ليس تحقيرا للمهنة، ولا حطا من قدر الممارسة الإعلامية، بقدر ما هو وضع للأشياء في نصابها بلا تضخيم، إذ إن الشاشة لا يمكن لها على الإطلاق أن تنقل للمشاهد بساطة واقعها على الأرض. وفي ذلك توصيف لما نعتقده صحيحا لهذا الحالة، بحيث لا يتجنى المسمى على بساطة الواقع، ولا يبخس الواقع حق المسمى بالتقليل من قدره.