Wednesday, August 19, 2015

مقال من لا مقام له


مقال من لا مقام له

أيُّها الكَاتبُ الصَحفي العربي: حَسِّنْ خَطَّكْ!

كان النقاش محتدما عن نجوم الكُتّاب الصحفيين العرب. كان في الجلسة صحفي يصر "بعنف" على أن الأسماء "اللامعة" من الكتاب تكتب بشكل "متميز"، ومبرره الوحيد أن لو كان الأمر غير ذلك، لما طبقت أسماؤهم الأرض شهرة. علمت لاحقا أن هذا الصحفي كان يعمل "ساعي بريد" قبل أن يلتحق بالصحافة. وكان هذا أول مقال لمن لا مقام له، لنقول: إن "الصحافة قد لَمّتْ"!

نفهم أن لدى هذا النوع من الناس، ومثلهم كثر –رغم قلة القراء من بينهم- ما يبرر عدم قبولهم خدش ذائقتهم في القراءة للمشاهير- طالما أنهم حسبوا أن القراءة فقط هي لنص لا يتجاوز بضع كلمات في فيسبوك، وليس لديهم الجلد على قراءة ما هو أكثر من ١٤٠ حرفا في توتير.

والحال كذلك، فإنه لا ريب أن يتشدد مثل هؤلاء القرّاء لمن يدمنون على متابعتهم في وسائل التواصل الاجتماعي، ليس إلا لأن من يلحقون بهم من كتاب يملؤون شاشات الفضائيات تحليلا في كل القضايا بدءا من النووي الإيراني حتى الأعراض التي تصاحب ملكة النمل قبل أن تضع بيضها! وإلى أن تصل إلى هذا الفهم لما يعتمل في أذهانهم تجاه عبادة المشاهير، يكون العجب لديك قد زال.

وسأريك كيف تزول الأشياء. ففي إحدى جولات النقاش، وبينما كان هذا "القرّيْء" متحمسا لأحد المشاهير من الكتاب، ممن لا يتوقفون عن الدفاع عن السياسيين الإسلاميين، ويجتر في سبيل ذلك في كل مرة القضية الفلسطينية كواحدة من القضايا التي تندلع لها مشاعر مثل هؤلاء القرّاء، مرفقا كلامه بآيات من الذكر والتحليل الفخيم، فقد انهار البرج الذي كان يبنه بداخله عن ذلك الكاتب الشهير حين علم أنه يحلل تحت تأثير الكحول وهو سكير.

قد يبدو الأمر سطحيا لمن يحكمون على الكتاب المشاهير من هذا السلوك، وهذا فيه من الصحيح المعلول، حين تتبدل معالم وجوه قرائهم لمجرد أنهم عرفوا للتو أيضا أن هؤلاء الكتاب يحملون في أسمائهم عبادة الرحمن وعبادة الباري ... عطوان. لسان حال هذا القارئ الآن يقول: لو كان يعرف بعض الآباء ماذا يكتب أبنائهم لما أطلقوا عليهم أسماء نبيلة.

وإن حصل إن قرأت لأحد الكتاب المشهورين مقالا اليوم في قضية ما، فجرّب أن تقرأ له آخر بعد أسبوع أو أسبوعين في القضية ذاتها، ثم انظر إلى هامش الفارق في المقالين، فإن لم تجده فعليك العودة فورا إلى مقدمة هذا المقال وتنظر مليا مرة أخرى في العبارة الأخيرة منها التي بين ظفرين. أما إن وجدت فرقا –والكلام هنا منصب على هيكلية المقال ومضمونه- فعلى الأرجح أنك تقرأ المقال الخطأ. لذا أدعوك للتوقف عن القراءة فورا.

تخيل أن مقالات هؤلاء تتصدر أشهر المنافذ العربية، من تلك التي تدعي أنها رصينة ومؤثرة وعابرة لحدود العقول. تبدأ في القراءة فتجد الكاتب مستعجلا، وقد رمى لك كل ما يريد أن يقوله في مقدمة المقال، والبقية تكرار بمفردات أخرى لما قاله في المقدمة.

ثم إن جئت إلى تركيب المقال من خلال التفقير لإراحة النص، كي يبدو "جاعصا" على جنبه، لتتمكن من هضمه أنت كقارئ، فالمصيبة أعظم. في إحدى المرات قرأت مقالا في منفذ صحفي شهير جدا، كانت مقدمته أكثر من 300 كلمة، بلا فواصل ولا نقاط ولا ما يحزنون. طبعا تركت المقال لكاتبه، لكي يفهمه أولا قبل أن يلقيه في وجوهنا.

أما إن كنت أمام مقال تحليلي لأحدهم، فاستمتع بـ"التبعير". أنا قلت "تبعير"! لا لا، أنا كان قصدي "تربيط". يُرَبِّط الكاتب بين هذا وذلك وتلك، ولا مانع من جرعة خيال، إذ إن المشهور يقول، وما علينا إلا الاستهلاك، والقول: الله الله الله، ونضغط "لايك"!

وعلى شاشة التلفزيون، تضبط كاتبا عربيا مثلا في برنامج لتحليل الأحداث العربية الجارية في قناة أوروبية، وهو يتكلم الإنجليزية بطلاقة، لكن بلغة جسد عربية بحتة، ويوزع الضحكات والنكات والقفشات هنا وهناك كي يبدو محللا "كيوت". وحين ينتهي البرنامج تجد بعد دقيقتين في قناة عربية بنفس البدلة وربطة العنق، لكن مصدرا للمشاهد وجها متجهما، ويفيض الزبد من حافتي فمه، بينما تكاد شرايين رقبته تنفجر، ولا يلجم فاه عن الصريخ إلا قول المذيعة: "عذرا سيدي.. لقد داهمنا الوقت"!

وهنا يصح القول أن ليس كل كاتب جيد مشهور، كما أنه ليس كل كاتب مشهور جيد. والكتاب السطحيون يستهلكم ”قارئون“ مثلهم، والكتاب الجيدون يستهلكم ”قراء“ أقران لهم. وبين القارئون والقراء البون كبير.

لكن في المقابل -على طريقة فيصل القاسم- هناك قلة من الكتاب المشهورين ممن هم بالفعل جيدون. وهؤلاء لديهم القدرة على رسم الحياة العامة والشؤون الجارية عبر النص في لوحة تتمنى تعليقها في صدر البيت. وإن عدت إلى نصوصهم في أي وقت وفي كل حين تجدها في كل مرة تضج بالحياة من جديد.

وعند هذا النوع من الكُتاب، نقف إلى هنا، فلا حاجة لإطالة المقال أكثر بالتفصيل والتحليل، كي لا يبدو ذلك مديحا، ولا تمل أنت عزيزي القارئ من القراءة.

Friday, August 14, 2015

دحلان حماس


دحلان حماس

بين ”الدبلوماسية الشعبوية“ و”الموضوعية المفرطة“ يتنقل الرجل منذ أيام في توصيفه للمشاكل المزمنة التي يعيشها قطاع غزة. لكن غزة لم تكشف بعد عن كل أسرارها، وإن بوح ناسها -حتى وإن كانوا من قادة فصائلها- لم يكتمل بعد ليشكل ثورة في وجه حصارها ومحاصريها.

ظاهريا، يبدو الرجل -وهو واحد من أبرز وجوه الحركة- وكأنه يهاجم ”حماس“، مع حرص شديد في كل مرة على توزيع اللوم بالمقدار نفسه على حماس ومصر والفصائل الفلسطينية وإسرائيل، رغم أن الحركة ارتضت لنفسها وهي تدخل غمار السياسية أن تكون ”الحزب الحاكم“.

وهذا مخرج مفهوم يتقنه كثير من السياسيين عندما يمس العَوار الجميع في خضم الحديث المتعاظم عن قدسية حزب بعينه، لا سيما في ظل الأزمات التي يرافقها كثير من اللغط. حينها لا ضير من إخماد غضب الشارع بإعمال المشرط قليلا في الجلد الخارجي المتبلد للحركة.

وإن كانت هذه الحالة ترضي حماس -إذ قد تحتاجها للاستخدام السياسي لاحقا للتدليل على ديمقراطية الحوار داخلها- باعتبارها الإسفنجة التي تمتص ثورة الناس عبر إشباع شبق من يهوون مناكفة سياسييها افتراضيا عبر فيسبوك؛ فإنها تأخذ قطاع غزة بعيدا عن الواقعية التي يحتاجها في حل مشاكله.

وعلى ضعف ”النقد الوصفي“ الذي يوجهه الرجل إلى حركته ”حماس“ في إدارتها قطاع غزة -رغم أن قادتها لديهم معظم مفاتيح الحلول- فإنه يشكل ظاهرة جديرة بالاهتمام، من شأنها أن تميط اللثام عن كثير من أسرار المعبد، لو تعاظمت هذه الظاهرة داخليا، دون أن تُستخدم سياسيا، في عالم بات لا يقبل الاختباء وراء أيديولوجيات غامضة، ويزداد شفافية يوما بعد يوم.

حماس بحاجة إلى أصوات حقيقة من داخلها تقول لصانعي القرار فيها: كونوا واقعيين. تحلو بالبراغماتية. تقبلوا العالم كما هو. كونوا واضحين في كل المواقف ومع كل الأطراف. وهذه الأصوات -كما نحن بصدد واحد منها في هذا المقال- يحب أن تخرج إلى العلن، وألا تبقى حبيسة السراديب.

لا تحتاج حماس إلى شفافية أو موضوعية مع الغير، بقدر ما تحتاج الحركة إلى هاتين الخصلتين داخلها. وإن كانت الحركة موضوعية وشفافية داخليا، فإن ذلك بكل تأكيد سينعكس على سلوكها، حينها تكون قد كشفت عن بعض مكنونها للآخرين، والذين سيثير جوا من التفهم لكثير من تصرفاتها، ويزيل عنها النقد المتراكم.

فقد فعلتها فتح من قبل، منذ السنوات الأولى لتأسيسها (فتح أبو نضال، وفتح أبو عمار مثالا)، والحالة ما زالت مستمرة إلى اليوم، وإن كانت بشكل فوضوي، فإنها وضعت الحركة أمام الجميع بكل تفاصيلها كما هي دون ”ابتسامات بلاستيكية“. حتى اليسار الفلسطيني "المتكلس" فعلها (جبهتين شعبية وديمقراطية)، وكان ذلك دليلا على روح الاختلاف، بغض النظر عن نتائجه، وحماس ليست بدعا من الأحزاب.

والحال كذلك، فالمطلوب أيضا ممن ينتقدون حماس من أبنائها ”على استحياء“، بأن يرفعوا أصواتهم قليلا في وجه قادتها، لا في وجوهنا في فيسبوك، وأن يقولوا لهم: إن العالم لن يقبلكم ما لم تقوموا بمراجعات فكرية حقيقية تنعكس على سلوككم في التعاطي السياسي. وإلا فعليكم الاختيار: إما أن تكونوا ”ربانيين“ أو سياسيين.

وهذا بدوره يثير تساؤلات عن إرث الحركة الثقيل الغامض. إذ كيف يقبل العالم حماس، وهي حركة تفاخر بهذا الحجم من الأنصار، لكنه لم يُعرف عنها يوما أنها أجرت انتخابات داخلية شفافة تتناولها الصحافة كما تتناول كل انتخابات الأحزاب في العالم؟ فتح مثلا تجري انتخابات -وإن كانت فوضوية- فإنها تظهر أمام فضاء الآخر حركة تموج بالتحركات والتحولات.

كيف يقبل العالم حماس، ولم يُعرف في أدبياتها أنها حاكمت نصيرا أو قائدا خرج عن طوعها؟ وإن حصل ذلك تكون السرية سيدة الموقف. في حماس القسام يقتل وحماس تدفن.. "أيمن طه نموذجا". لكن في فتح تم محاكمة أناس، وطرد آخرون منها. أي نعم أننا لسنا هنا في موضع مقارنة بين فتح وحماس، لكن نورد الأمثلة ليتضح المراد، مع تثبيت الفوارق بطبيعة الحال بين الحركتين.

غالب الظن أن الرجل، الذي نحن بصدده في هذا المقال، يريد أن يظهر على أنه العاقل بين كومة أغبياء، رغم أن ما يقوله ليس جديدا، وقد سبقه إليه كثير من العقلاء. فالوضع المزري الذي يعيشه قطاع غزة لا يحتاج إلى أصوات عقلاء ولا أغبياء، فقد قتلت غزة قولا. غزة تريد تحركا، تريد فعلا، والفعل المطلوب تعرفه حماس، ويجب أن يبدأ من عندها. تدرك حماس جيدا أنها تكذب إن قالت إن التحرك يجب أن يبدأ من عند غيرها.

يجنح الرجل إلى التوصيف، وهو سياسي ما زال في موقع الخدمة العمومية في وزارة الخارجية الرديفة في غزة، ويعرف أن دوره تنفيذي، وعليه أن يقدم حلولا لقادته للتنفيذ الفوري. وهو في الحالة هذه، فإنه من الضروري أن يتخلى قليلا عن ميزة الوصف التي حملها مع من عمله السابق صحفيا. خذ من الصحافة فقط جرأة القول، وقل لقادة حماس باسم كل الغزيين: كفى!

دعك يا أبا عمر من ”دبلوماسية فيسبوك“، و”موضوعية التوصيف“، فالسياسة لا تعرف الموضوعية، كما أن دبلوماسيتها مقننة، وفي الحالتين فهما لا يقدمان ولا يؤخران في إيجاد حل للحالة الغزية. وهنا لا أرى مبالغة إن تساءلت: لم لا تأخذ من الحالة الفتحاوية دحلانها (محمد دحلان) وتغزل ومن يشاركك الرأي في حماس على منوالها (الظاهرة الدحلانية)، وتكون أنت يا غازي حمد ”دحلان حماس“؟

أعرف أن الفوارق بينكما كشخصين كبيرة، وأن الاختلاف بين حزبيكما طوليا وعرضيا عميقة، وأن ما يداوي جروح فتح ليس بالضرورة علاجا ناجعا لعلل حماس، كل هذا صحيح، لكن هذه الاختلافات تبقى في حدود التفاصيل. أما ما نحن بصدده هنا فهو رفع للحوار من درجة التسطيح (الحديث في التفاصيل) إلى درجة "الظاهرة"، وهي التمرد بقول "لا" للقادة. التمرد مجردا من كل المسببات والملابسات والنتائج.

لقد حَرّك دحلان ومن معه المياه الراكدة في فتح، حين قال للرئيس محمود عباس "لا". قد يتفق البعض ويختلف البعض الآخر مع طريقة الرجل في قول "لا" لعباس، لكن هذا ليس موضوعنا، موضوعنا أن الرجل قال ما كان يعتمل ليس بداخله، بل بدواخل جيل كامل في الحركة، بعد أن غطى الكِلْس جيل العواجير فيها، وهَرِمَ صفها الأول بما فيه الكفاية، لتنحجب عنه إمكانيته ابتداع حلول خلاقة للأزمة الداخلية الفلسطينية، تلامس الواقع وتتأقلم معه.

ما يَعيب حماس ويُعاب عليها أنها لا تمتلك آلية داخلية للنقد، فالحركة بحاجة إلى أن توليد هذه الظاهرة داخلها، ولتختار لها الطريقة التي تريد، والأسلوب الذي تبغي. المهم أن يعرف الناس أن لدى الحركة إطار ما من الحوار يَسع كل الخلافات والاختلافات، بما يسمح أن تخرج للعلن دون خجل أو مواربة أو غموض يفتح شهية المحللين.

وإن كانت حماس قد نهلت كل شيء تقريبا من الجماعة الأم "الإخوان المسلمون"، فلم لا يتوقف جيل الشباب فيها من القادة مليا عند خروج عدد كبير من قادة الجماعة في مصر عن طوعها، بعد أن اختطفها جيل القطبيين "المتشدد". نذكر منهم مثلا ثروت الخرباوي ومختار نوح وكمال الهلباوي وعبد المنعم أبو الفتوح. وإن كان هذا تحرك لم يلغ وجود الجماعة إلى حين، فإنه يعتبر صحيا في الممارسة السياسية التي تحتاج التصاقا أكثر بالواقع، لا الاكتفاء بالتنظير.

ما كان لحماس وهي تدخل معترك السياسية أن تظن ألا يشكل ذلك الدخول خَصْمَا من رصيدها في الشارع، وهي بالأساس حركة تحرر ما زالت تواجه الاحتلال، بعد أن أصبح الحمل حملين. وما كان يجب على من يريد أن ينتقدها من أبنائها (غازي حمد واحد منهم) وهي في مرحلة متقدمة من التعثر السياسي أن يكتفوا بالتنظير، وأن يضعوا أنفسهم في موقع المحللين السياسيين.

أخيرا، لو قدر لغازي حمد أن يقرأ هذا الكلام فلربما يضحك من سريالية التحليل، أو يتعجب من غرابة الربط، أو يستنكر كل هذا الكلام. لكني لم أجد وصفا لما قرأت له مؤخرا من مقالات أو منشورات في فيسبوك سوى ما جاء في هذا المقال.

وإن وصلك هذا المقال يا أبا عمر فاعلم أني لم أرد التشهير بك، وما أريد قوله إن حماس تحتاج إلى تعظيم "ظاهرة غازي حمد" بداخلها، وإن كانت هذه بداية أرى أنها مهمة لتحريك المياه الراكدة في صفوف الحركة.

Wednesday, August 5, 2015

الجُملة الصحفية


الجُملة الصحفية

من جُملة ما يستوقفني من عيوب لدى العديد من الصحفيين العرب، كتابا ومراسلين تلفزيونيين وإذاعيين، قدامى ومستجدين، مشهورين ومغمورين؛ عدم سلامة الجُملة الصحفية لديهم من ناحية الصياغة، مما يشوش على المتلقي الإفادة.

ومهما كان هذا الموضوع شائكا وكبيرا، إذ تتداخل فيه عوامل اختلاف فلسفات الكتابة، وصرامة الأكاديميا، وتقديم الخبرة على ما سواها، فإن ما سنتناوله هنا نحسبه أمرا بديهيا وبسيطا، يفترض أن يشترك في إتقانه كل من امتهن الصحافة.

انظر إلى هذه الجملة:

"افتتحت السلطات الشيشانية أول شاطئ مخصص للنساء في البلد ذي الأغلبية المسلمة".

انظر إليها الآن بهذه الصياغة:

"افتتحت السلطات الشيشانية، الثلاثاء، أول شاطئ مخصص للنساء في البلد ذي الأغلبية المسلمة، خارج العاصمة الشيشانية غروزني، بعيدا عن متناول الرجال، الذين سيتم افتتاح شاطئ منفصل لهم في وقت لاحق".

أعتقد أنك بدأت الآن تتلمس ما نقصده هنا عن مفهوم الجُملة الصحفية.

انظر إلى هذه الإفادة من مراسل تلفزيوني:

"نعم، الرئيس عباس طلب من وزير الخارجية التوجه إلى محكمة لاهاي لتقديم ملف حرق الطفل الفلسطيني دوابشة إلى الجنائية الدولية، والتي على إثرها اندلعت اشتباكات عنيفة بين الجيش الإسرائيلي وشبان فلسطينيين في الضفة الغربية، أدت إلى مقتل فلسطيني وإصابة العشرات. أصابع الاتهام تشير إلى قيام مستوطن إسرائيلي متطرف يهودي بهذا الاعتداء الذي أدانته السلطة الفلسطينية بأقسى العبارات، وصعدت بناء عليه تحركها من أجل تدويل المسألة أمام المحاكم الدولية".

وانظر إلى الإفادة لو كانت على هذه الشاكلة:

"أحدث التطورات السياسية هو أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس طلب من وزير خارجيته رياض المالكي، تقديم ملف حرق المستوطنين للطفل الفلسطيني علي دوابشة إلى محكمة الجنايات الدولية في لاهاي يوم غد السبت. وقد دانت السلطة الفلسطينية في بيان لها الاعتداء على عائلة دوابشة والذي جرح فيه والدا علي وأخوته، ووصفته بأنه همجي وسافر. وطالب بيان الرئاسة المجتمع الدولي بالضغط على إسرائيل لوقف التمدد الاستيطاني، الذي يعد السبب الرئيس وراء مثل هذه الاعتداءات.

أما على الصعيد الميداني فقد اندلعت اشتباكات بين الجيش الإسرائيلي والشبان الفلسطينيين في مدن عدة من الضفة الغربية إثر مقتل الطفل دوابشة، قتل خلالها شاب وأصيب 40 آخرون. وقد امتدت هذه المواجهات إلى أجزاء من مدينة القدس المحتلة، حيث عزز الجيش الإسرائيلي من وجوده في الأماكن الحساسة من المدينة، لا سيما عند مداخل المستوطنات، تحسبا لأي هجمات انتقامية".

أرى الآن أن فهمك لما نعنيه بالجملة الصحفية قد اتضح أكثر فأكثر. ونكتفي بهذا القدر من الأمثلة، ولمن أراد أن يستزيد فالصحف والمواقع وشاشات التلفاز ملأى بالدروس والعبر.

إذن، ما نرمي إليه هنا لا يتعلق بكيفية تركيب الجملة من الناحية اللغوية، وإن كان هذا مهما بالتأكيد، وإنما هو ما تحويه الجملة من معلومات مرتبة منطقيا تمثل بدورها إفادة مكتملة لدى المتلقي، تقف بذاتها بما لا يدفع المتلقي إلى استفسار أو استفهام أو بحث.

لن نقدم هنا تعريفا للجُملة الصحفية، وإن كان وصفها هنا قد اتضح إلى حد ما، فالوصول إلى تعريف يحتاج إلى عمق في البحث، وسبر طولي وعرضي للتجارب الصحفية المتعددة، ومن ثم اختبار التعريف عبر أدوات قياس علمية ومهنية ضمن ممارسات صحفية مختلفة جغرافيا ومتعددة زمانيا، ومتنوعة تحريريا (كتابيا، تلفزيونيا وإذاعيا).

من هنا، نقول إن فكرة هذا المقال مجرد بذرة نغرسها في أرضية التحرير الصحفي، وهي بكل تأكيد تحتاج إلى رفد دائم بماء الآراء، من أجل الوصول إلى مرحلة أكثر تفصيلا، ترتقي في نهاية المطاف بهذا المفهوم إلى مرحلة النظرية.

Wednesday, July 22, 2015

علبة حلو


علبة حلو

المخيم.. زحمة الساكنين واكتظاظ التفاصيل

1

تنادي أم عمار على ابنها ناجي من شباك المطبخ المطل على زقاق مخيم يبنا في مدينة رفح جنوبي قطاع غزة:
ولك بيكفي لعب.. الله ينكبك يا بعيد. وكلمة ”ينكبك“ هي شتيمة فلسطينية منحوتة من النكبة.
ناجي بصوت مرتفع: طيب يمة هيني جاي.
ثم بينه وبين نفسه: حِلي عني يا شيخة خليني ألعب.
أمه: تعال يا إبن الكلب يا أصفر. والله غير اللعب في المجاري يموتك زي ما موت أخوك نضال.

ناجي ذو شعر أشقر وعينان خضراوان وبشرة صفراء. ولو أتيح له التخلي عن ملابسه المرقعة المهلهلة -التي يغيرها كل أسبوع مرة تقريبا- لكان مثل "الأجانب هالمعرّص"، كما كان يحلو لجدته التسعينية وصفه على الدوام.

لكن ما وراء صفرة وجهه يختبئ مرض فتك من قبل بأخيه نضال. إذ كان الأخير مغرما بالمشي في قنوات مجاري المخيم المفتوحة على مصراعيها، ويسير مع تعرجاتها التي تأخذ في زيارة لاستكشاف المخيمات المجاورة.

وقنوات المجاري هذه هي من صنع الأونروا (والأونروا هي الرديف السياسي الدولي الذي ابتدعته الأمم المتحدة للنكبة)، وقد أقيمت على عجل على سطح أرضية المخيم، حين بدا للأونروا أن العودة لن تكون قريبة.

ويمتد المجرى على أحد جوانب زقاق المخيم، ويلاصق تحديدا حافة الجدران الخارجية لبيوت المخيم. بدأ هذا النوع من المجاري يظهر في بعض المخيمات بعد سنوات من إنشائها، لتحمل اسم "المخيمات الراقية". أما المخيمات الأقل حظا من الرقي فيقع فيها المجرى في منتصف الزقاق، وتنساب ماء "القرص والبح" على أرضيته الطينية.

والمجرى عبارة عن خطين متوازيين من الباطون بطول المخيم، يفصل بينهما مساحة قدرها٣٠ سنتيمترا، وعمق يزيد قليلا عن 20 سنتيمترا في الأرض، وتجري فيه مياه الغسيل، والجلي، والحمامات، وما تفيض به المراحيض، وحفاظات الأطفال، وما خُف من القمامة: علب بلاستيك، عودان ملوخية، قشر بطاطا، قمع باميا، عجم فواكه.. وغيره.

وفي المخيم -الذي تتسلق جدرانه طحالب الفقر، وتجري على أرضيته الرملية الرطبة قنوات الموت- نشأ ناجي، أصغر إخوته، وتربى وسط أقرانه من أطفال الحارة. (والحارة هي الاسم غير الشرعي للمخيم).

ولناجي أربعة إخوة، هو أصغرهم، يفصل بين كل واحد منهم في العمر عام أو أقل. أما أكبرهم فهو عمار، يليه ياسر، ثم عرفات، وبعده جاء جهاد. ولم تحالف الحياة نضال فمات في السادسة من سوء التغذية. وناجي اسمه الكامل كما في أوراق الأونروا "ناجي العلي". فقد كان أبو عمار حريصا على أن يتخذ لأبنائه أسماء مرتبطة في ما كان يسمى "الثورة الفلسطينية". كان أبو عمار يحب كل الثوريين، إلى أن دهمه فجأة فيروس "أوسلو" فمات صريعا به.

 وناجي ولد نحيف، له من العمر اثنا عشر عاما، لكن كل من رآه ولا يعرفه، يعطيه عمرا لا يتجاوز ستة أعوام. إذ إنه قصير القامة، مصفر الوجه، كث الشعر، مهلهل الملابس، حافي القدمين، وكأنه عضم تكوم على عضم. وكانوا في الحارة ينادونه أيضا بـ"الصومالي"، في إشارة إلى المجاعة التي ضربت الصومال في تسعينات القرن المنصرم، وأنتجت مشاهد بشعة للأطفال وللكبار أيضا.

ناجي أيضا، ولد نبيه، وتلميذ نجيب، لا يكتفي بالحصول على المرتبة الأولى بين زملاء فصله، الذين يربو عددهم على 50 تلميذا، بل دائما ما يكون الأول على مدرسة "أ" الإعدادية للذكور التي تديرها الأونروا.

وإن كان هذا مصدر فخر لأهله، فإنه في المقابل يغيظ غيره ممن هم حوله من الطلاب الأصحاء، الذين تنضح العافية من وجناتهم، خصوصا أبناء المزارعين والفلاحين الذين كان يطلق عليهم أبناء المخيم اسم "الأنصار"، على اعتبار أن أبناء المخيم هم "المهاجرون".

2

اليوم هو الأخير في امتحانات نهاية العام الدراسي 1992-1993. وما أن يفرغ الطلاب من امتحاناتهم عند الظهيرة تبدأ "مجزرة الدفاتر والكتب"، إذ يعكف ناجي وتلاميذ مدرسته، وعددهم 672 تلميذا، على تمزيق دفاترهم التي تكتظ بها مكتبة الفصل الصغيرة. يفعل ذلك كل الطلبة، والنجباء منهم يفعلونه تحديدا لأنه الطريقة الوحيدة عندهم للتعبير عن فرحتهم بانتهاء العام الدراسي، وهو بعض مما يمكن أن يشكل احتفاء منهم بالعلم، واحتفالا بالتفوق مسبقا.

كما يُعمِلون مشارطهم في كل ما تقع عليه أيديهم من كتب الفصل الأول الإعدادي. يفعل ذلك المتفوقون منهم والراسبون (السقايط)، إلا أن الأخيرين يفعلونه وهم مطمئنو القلوب إلى أن نظام ”الترفيع الآلي“ الذي تبنته الأونروا مؤخراً في مدارسها، لأسباب تتعلق بالاكتظاظ الطلابي، سيضمن لهم مقاعد في الصف الثاني الإعدادي العام المقبل.

يمزقون كل ما بين دفتي الدفاتر، من أوراق مُحَبّرة، ويبقون على الفروخ البيضاء لصنع طائرات من ورق. وفرخ الورق هي الصفحة والصفحة المقابلة لها المتصلة معها، لكن يفصلهما دبوسا الدفتر في منطقة الثني.
لكن قلة ومن بينهم ناجي، كانوا يحتفظون -بعد أن يمزقوا الدفاتر- بالصفحتين البنيتين الخارجيتين المقويتين للدفتر (جلدة الدفتر)، ليشكلوا بها سفنا تمخر عباب مياه قنوات المجاري في المخيم.

يلقي كل بسفينته في المجرى باتجاه سريان المياه ويتبعها مشيا أو هرولة من خارج القناة وفق سرعتها. يدفع البعض السفينة بيده، أو برجله بين الفينة والأخرى إن أوقفها وحل المجرى. لكن ناجي كان لا يقنع بما يقوم به أقرانه، إذ كان يشمر عن ساقيه، وينزل في المجرى بقدميه الحافتين، ويدفع سفينته بأمواج يخترعها بحركة من قدميه، كي تحظى سفينته بالسبق في المباراة.

3

"يهود وعرب": ينادي أحد أولاد المخيم بهاتين الكلمتين، فتتوقف على الفور لعبة تسيير السفن الورقية. وينطلق الأولاد مسرعين نحو حاوية القمامة الضخمة التي تتوسط ساحة رملية على حافة المخيم. يجمعون منها ملء أيديهم بقايا قشر البطيخ، وأنصاف حبات البرتقال المعصورة، وقشور الشمام، وفواكه خربة: خوخة معفنة، تفاحة معطوبة، بندورة مخرومة، خيارة دبلانة، عرانيس الذرة المُلتَهمة... وغيرها.

يهود عرب“، هكذا كان يفهم أطفال المخيمات الصراع على أنه ديني ثم قومي بالأساس. كان ذلك قبل انطلاق الفضائيات العربية بسنوات وسنوات، والتي قلص كثير منها الصراع من عربي إسرائيلي، إلى إسرائيلي حمساوي، بفعل "الغسيل".

المهم، ينقسم الأولاد إلى فريقين كل حسب رغبته: فريق يهود، وفريق عرب، وتبدأ لعبة المحتل مع المقاومة. سلاح الأول رشاش من خشب، وطلقاته أصوات من الأفواه. وسلاح المقاومة كل ما وقعت عليه أيديهم من القمامة.

وعندما تبدأ الملاحقة في أزقة المخيم، وتنفذ الذخيرة، تصبح كل صفائح القمامة الصغيرة أمام المنازل ذخيرة احتياطية. وصفائح الزبالة الصغيرة هذه هي في غالبها صفائح زيت زيتون نفد، أو صفائح بوية طليت بها جدران، أو أقلان بلاستيك فرغت وأزيل سطحها العلوي. وما ذلك إلا "إعادة تدوير" للأشياء عرفها سكان المخيم قبل أن تفتح منظمة البيئة العالمية أبوابها!

4

بعد ساعات من اللعب، في تسيير السفن في المجاري، ويهود وعرب، وتطيير الطائرات الورقية، يدلف ناجي إلى المنزل قبل العصر بقليل. والمنزل هذا كان بالأساس خيمة قبل أن يرى ناجي عتمة المخيم على يد الداية أم خالد الشَّروَل.

يلمح ناجي أمه وقد تربعت في قاع الدار أمام لجن الغسيل الدائري الحديدي، وقد رفعت فستانها إلى ما فوق ركبتيها، وانحنت تفعك بيديها الطريتين القويتين الملابس المتسخة، بالماء والصابون. صابون شقحة النابلسي الشهير الحامي الذي يدمي اليدين.

يكره ناجي أن يدخل المنزل ويرى أمه على هذه الشاكلة، إذ عادة ما يعتبر هذا المشهد مؤشر على العصبية التي تجتاح جوارحها في مثل هذه اللحظات. وعلى الفور يتذكر كلمة أمه الشهيرة في هذه الحالة: "روحي في مناخيري".

غسيل... وعلى الإيدين كمان.. ربنا يستر: تمتم ناجي.
رأت أم عمار شفتي ناجي تتحركان، وإن لم تفهم ما قاله، أطلقت عليه صليتان من غضبها: شو بتقول يا أصفر؟ كيف كان امتحانك اليوم يا غنيمة أهلك؟ وغنيمة أهلك، هي شتيمة مخيماتية تحمل معنىً تحقيريا، خاصة إذا ما كانت مصحوبة بصوت استنكاري ونبرة سخرية.

ناجي محاولا تجنب الشرر المتطاير من عيني أمه وباقتضاب: كويس.
أمه: شو هو الكويس، الصفار اللي وجهك، ولا الامتحان، يا وجه الغراب!

تسمّر ناجي في مكانه، ولم ينبس ببنت شفه. وبنت شفه هي عبارة حاولت فهما منذ أن وقعت عليها عيناي للمرة الأولى قبل عقدين ونصف، لكني لم أفلح في فك مكنونها التعبيري!

أم عمار: مالك واقف زي الحيطة، تحرك اطلع فوق الخزانة، ودور على قوشانك علشان آخدك على العيادة بعد الغسيل، خلينا نعالجك من الصفار اللي في وجهك، بلاش تموت زي أخوك نضال.

والقوشان عند أهل المخيم هو شهادة الميلاد. أما قديما فقد كان يسمى "الطابو" قوشانا. والطابو ورقة تسجيل الأرض. وحسب ما أخبرني صديق "ضليع" باللغات واللسانيات واللهجات واللكنات و"اللكمات"، فإن أصل الكلمة تركي.

يقفز ناجي على السرير الوحيد في الغرفة، ويثبت كلتا يديه في قضبان شباك يعلوه، ويحرك قدميه على الجدار للأعلى، إلى أن يصل ظهر الخزانة، فيعتليها.

وظهور الخزانات في بيوت المخيمات هي المخزن الذي يحتفظ فيه اللاجئون بكل ما لا يريدون استعماله في الحال. ومن بين ما كان يلقى على ظهور الخزانات الهدايا التي تأتي للعائلات من بعضهم البعض، والتي سَتُهدى بدورها لاحقا بـ"التدوير" لمن قدموها.

وكان من عادة أهالي المخيم عدم فتح الهدايا -إلا ما ندر- تحسبا لزيارات مرتقبة، أو ما يطلون عليه "سد الزيارة"، خصوصا وأن نساء المخيم ولادات من الطراز الأول، إذ لا يكاد يمر شهر حتى تضع واحدة أو اثنتين منهن على الأقل مولودا جديدا، وتحتاج إلى طٓلِّة (زيارة).

وقد كان سطح الخزانة في بيت أم عمار عامرا بأطقم الصحون، والصواني، والكاسات، وأرطال من السكر في أكياس ورقية (الرطل ٢ كيلو حسب خبراء المخيم)، وكراتين البسكويت المربعة، وصفائح الشوكولاتة المدورة (كوفرتينا)، والمستطيلة (سلفانا) وعلب النوقة البلاستيكية الشفافة على شكل رأس قلب... وغيره. حتى أن العلب الفارغة، لا سيما علب الحلو المعدنية، كانت أم عمار تعيد تدويرها باستخدامها خزنات "بلا أرقام سرية" في حفظ ما صغر من أشياء البيت.

5

يبدأ ناجي رحلة البحث عن قوشانه ويتحرى ما هو فارغ من العلب. تقع يده على الأولى فيجد فيها إبر خياطة، إبر ملاحف، بكرات خيطان أشكال وألوان، زراير جميع المقاسات رجالي وحريمي. تشكه في أصبعه الأوسط (البعبوص) إحدى الإبر فيغلق العلبة بعنف وينتقل إلى الثانية، وفيها شفر حلاقة، مقصات، كروت التموين القديمة، بطاقات التأمين الصحي القديمة، وكروت الطُعمة القديمة، ففي المخيم لا يتخلص السكان من شيء. وكروت الطعمة القديمة. قٓلٓبتُ عليها الإنترنت فلم أعثر على صورة لواحد منها.

وفي العلبة الثالثة يجد ناجي أشرطة أدوية، أشرطة كاسيت (قبل أن يعرف العالم الأسطوانات المدمجة)، لولب نحاسي لمنع الحمل ”بورقته“. واللولب كان أول تدخل سياسي دولي في أرحام نساء المخيم، لمنع التكاثر تحسبا لزيادة مسؤوليات الأونروا تجاه اللاجئين. يفتح ناجي العلبة الرابعة فيجد فيها سبح صلاة، فلقات صابون، أكياس نايلون صغيرة، قداحات، أعواد ثقاب، عيدان خلة... وأشياء أخرى كثيرة بحثت عنها في غوغل فبصق في وجهي!

يبحث ناجي عن قوشانه.. يبحث.. ويبحث.. ويبحث. وكلما وقعت يده على علبة وصَعُبَ عليه فتحها عرف أنها من المحشوات بالحلو. يستمر في البحث متنقلا بين العلب نحو 20 دقيقة. يتعب، فيجوع، فتنبت لديه فكرة. يمط جسده النحيل من فوق الخزانة حتى يصل رأسه للحافة العلوية لباب الغرفة، فيلمح بطرق عينه اليسرى أمه وهي ما زالت مشغولة في الغسيل، فيرجع، ويمسك إحدى العلب المحشوة بالشوكولاتة، ويفتحها، ويلتهم منها 10 حبات على عجل، ويخبئ أغلفتها داخل العلبة ويغلقها ويعيدها إلى مكانها.

تستأخر أم عمار ناجي فتنادي عليه بغضب:
إيش يا ناجي لقيت القوشان ولا لأ.
لأ لسه ما لقيتو.
أنا عارفة إنتو ما بتفشو الواحد أبدا. هيني خلصت ألحين بآجي أطوله.

تطلب أم عمار من ناجي إنزال كل العلب المفتوحة. فيتناولها ناجي الواحدة تلو الأخرى، ويناولها لأمه التي امتشق قوامها وهي تتعالى على أطراف أصابع قدميها لالتقاطها.

فَرَدَتْ أم عمار العُلب على الأرض وفتحتها كلها دفعة واحدة، وأخذت تفتشها بالواحدة، بيدين مرتجفتين، وهي تساورها شكوك بأنها قد أخطأت في اختيار الهدية عندما زارت قبل أسبوعين جارتها أم حاتم، التي خرجت من المستشفى بعد أن خضعت لعملية جراحية في الرحم.

تُسرع وتُوسع أم عمار حركة التمشيط داخل العلب، وقد بدت عليها علامات الارتباك أكثر فأكثر، مصحوبة بخفقان مرتفع في ضربات القلب، وهي تنتقل من علبة إلى أخرى. أحس ناجي بذلك بوضوح، إذ كانت أمه قد خضعت لعملية زرع صمام بلاستيكي في القلب، ومع أقل جهد كان يمكن سماع نبضات صمامها تضرب بقوة وبسرعة.

تفتش أم عمار وتفتش، وناجي يراقب حركاتها وارتباكاتها وخفقات قلبها عن كثب، وهو ما زاد من صفرة وجهه. يتصاعد لدى أم عمار رويدا رويدا قناعة بأنها قد أهدت العلبة التي تحتوي على قواشين كل العائلة وأوراق أخرى مهمة، إلى جاراتها أم حاتم، عن طريق الخطأ.

6

يلعن د... تمتمت أم عمار. وكادت أن تكمل الشتيمة لولا أن قاطعها ناجي قائلا: لا تخافي يمة، راح تلاقيه إن شاء الله. وقد كان سكان المخيم يعرفون أم عمار بلسانها الحاد، ويصفونها في ما بينهم بأنها "أم لسان زفر".
تبادل أم عمار ناجي القول: طيب طير يا موكوس على دار "أم إبزاز" وشوف إذا العلبة ضايلة عندهم ولا لأ.
ناجي: قصدك دار أم حاتم.
أمه: بتلفلسف يا ابن الكلب! ورمته بفردة حذائها.

وعلى الفور أرخى ناجي ساقيه للريح نحو بيت أم حاتم. وأم حاتم اسمها الحقيقي "مَحْضِيّة"، مؤنث مَحْضِي، والمحض هو اللبن الخالص من كل شيء ولم يخالطه ماء، ويكون بلا رغوة. وكان سكان المخيم ينبزون محضية بهذا اللقب لأن ثدييها كبيرين، وبارزين بشكل لافت، على غير ما كانت عليه بقية نسوة المخيم. وكان أهل المخيم يعزون هذا الكبر، تحديدا النساء، إلى كثرة الإرضاع. وكان السكان يتندرون على أم إبزاز فيقولون ضاحكين، إنها تضع مولودا في أول السنة، ومولدا في آخر السنة. ويُقال أن سبب اللقب جاء لأن المرأة أرضعت معظم شباب المخيم، ولذلك كانوا يخشون التقدم لبناتها الخمسة (أصغرهن عمرها 27 عاما)، وينظرون إليهن على أنهن أخواتهن، فبُرنَ كلهن، ولم تتزوج منهن لليوم واحدة. وإن كان للغة لها ما لها من ربط بين الثدي واللبن، إلا أنه لم يكن لدى أي من سكان المخيم سابق علم بهذا الربط، وإن كان ربطهم العفوي هذا لتنحني له اللغة إجلالا، ويرفع له سيبويه وأبو الأسود الدؤولي قبعتيهما.

يطرق ناجي الباب، يخرج ابن أم حاتم البكر (25 عاما). يخبر ناجي القصة لحاتم. يدلف الأخير للبيت ويسأل أمه عن العلبة، فتخبره أنها قد أهدتها قبل أسبوع لإحدى قريباتها في حارة "بشيت" المجاورة بمناسبة خروج ابنها من السجن الإسرائيلي بعد أن قضى 18 عاما سجنا بسبب حيازة سلاح.

يعود ناجي للبيت ويخبر أمه ما خَبِره للتو من أم حاتم، فتطلب منه أمه أن يجمع أخوته الأربعة، وينتشروا في الحارات المجاورة ويمشطوا بيوتها بيتا بيتا بحثا عن العلبة المفقودة.

تولول أم عمار، وهي تضرب بكفيها على رأسها، وتدور في قاع الدار مثل المهووسة وتردد: يا خيبتي علّي جرالك يا خيرية. شو اللي خلاني أنهبل وانطس في عقلي وأحط القواشين في علبة حلو! يا وردي علي وأسود!

تتذكر أم عمار وهي على حالتها هذه، تفاصيل قصة مشابهة حدثت في غابر زمان المخيم. إذ كادت أن تفقد جارتهم فاطمة الزلوطية كل ثروة زوجها التي جمعها على مدار سنوات وسنوات من بيع السحلب وكرابيج الحلب أمام أبواب مدارس الأونروا في المخيم.

وكدأب بقية نساء المخيم، فقد كانت الزلوطية تحشو ما يجنيه زوجها من نقود في إحدى مخدات المنزل، أو ما يطلق عليه "الخزنة". وهناك من كان يخبئ النقود "تحت البلاطة". كان ذلك قبل أن يفتح البنك العربي فروعا له قرب مخيمات اللاجئين ويملأها بالخزائن الحديدية.

وقبل حلول عيد الأضحى بيومين طلبت الزلوطية من ابنتها الكبرى تعزيل (توضيب) المنزل، استعدادا للعيد. ولما بدا للبنت أن إحدى المخدات متسخة للغاية، ولا جدوى من غسلها، ارتأت رميها في الزبالة. وفي الزبالة عثر عليها أولاد الحارة بينما كانوا يجمعون بقايا الفواكه والخضراوات استعداد للعبة "يهود وعرب". ولأنها مصاري حلال، عادت إلى أصحابها بعد أيام، إذ سلمها مختار المخيم لزوج الزلوطية بعد أن أقام الدليل على أوصافها وعددها أمام شهود ثقاة من المخيم.

المهم، انتشر إخوة ناجي في المخيمات المجاورة. جرى عمار إلى بشيت، وياسر إلى بربرة، وعرفات إلى أسدود، وجهاد إلى البطاني)، وبقي ناجي يبحث في مخيم يبنا، حيث منزلهم. ومضى يتنقل هو وإخوته طارقين أبواب بيوت المخيمات، والهدف: علبة حلو حديدية مدورة مكتوب عليها كوفرتينا، وبها كل أوراقهم الرسمية، وأهمها القواشين.

واتفق الإخوة على أن يلتقوا بعد كل نصف ساعة من البحث عند مفترق طريق يجمع حواف المخيمات الخمس، لفحص ما إذا كان أحدهم قد وجد العلبة أم لا. كان ذلك قبل أن تعرف المخيمات الهواتف المحمولة، وأصبح هذا دافعا كافيا لدى عدد من المستثمرين الفلسطينيين ليأسسوا شركة جوال لاحقا.

ظل الأولاد يبحثون عن العلبة حتى جَنّ الليل. وإذ ما حل الليل على المخيمات حول أزقتها إلى سراديب مظلمة لا يكاد الشخص يرى فيها أصبعه. عادوا جميعا إلى نقطة الصفر، مفترق طرق المخيمات، كل ينظر في يدي الآخر. طأطأوا رؤوسهم وعادوا إلى المنزل وكأنهم قد فقدوا عزيزا.

7

استقبلتهم أمهم بلهفة: ها بشروا لقيتو العلبة يمة.
قال صغيرهم ناجي بثقة بينما أسند ظهر للحائط: راح نلاقيها إن شاء الله يمة، وين بدها تروح يعني. معروف ما في حدا في المخيمات بيفتح هدية. راح اتضلها تلف تلف تلف وبالآخر ترجعلنا.
أمه: طيب يا أبو لسان لِمِضْ. نقطنا بِسْكُوتَك. بكرة في النهار بتكملو لف على بقية بيوت المخيمات، يمكن تلاقوها.

تحرك ناجي قليلا مزيحا ظهره عن الحائط فسمع الجميع صوت قرقعة.
نهرته أمه: شو بتفصص! والفص بلغة أهل المخيم هو إخراج الريح إذ ما انتفخ البطن مصحوبا بصوت.
ضحك إخوته جميعا، وهو كذلك فعل. ولما ضحك تحرك جسده المركون إلى الحائط، فسمعوا طقطقة للمرة الثانية. وبدا لهم أن الصوت لا يتعلق بفصوص. فغمز ناجي إخوته بعينه اليمنى، ففهموا أنه يخبئ شيئا، وإن لم يتبينوا ما هو.

قالت أمهم بصوت فيه حدة: يلا روحوا على الحمام غلسو رجليكو وبعدين روحو نامو.
استمرت موجة الضحك في اجتياح ناجي، بينما صمت إخوته، فانبرت له أمه: ليش بتضحك، شو في من كلامي بضحك. تضحك من غير أسنان إن شاء الله.
ناجي: بضحك على الفصوص.

رجع ناجي إلى الحائط وقال: هي كمان فص. تقدم قليلا وقال: وهي فص ثاني. عاد مرة أخرى للحائط وقال: هي فص ثالث. تقدم قليلا وقال: هي فص رابع. ثم صاح بلغة عربية فصحى وبصوت مفخم وسط ضحك غير منقطع: هل تريدون فصا خامسا يا إخوتي؟
قالت له أمه: ولا أنت مخبي اشي ورا ضهرك وبتقطق فيه.. شو هو قولي؟ وبسرعة البرق حركت قدمها اليمنى في الهواء، فأصبحت فردة الشبشب في يدها.

حينها أعطى ناجي ظهره لإخوته صائحا: يوريكا يوريكا.. وجدتها، وجدتها، تيمنا بأرخميدس. وكشف عن ظهره فسقطت علبة الحلو الحديدية وتناثر القواشين على الأرض، وأوراق أخرى منها التأمين الصحي وكروت الطعمة وكروت المؤن التي استلموها حديثا... وغيرها.
سألته أمه وهي تلملم الأوراق فرحة: وين لقيتها يا حبيبي يا ناجي؟
ناجي: عند مرا عجوز في مخيم البطاني. وأردف: مش قلتك راح ترجع.. يعني راح ترجع!

وكان من عادة هذه المرأة العجوز الثمانينية التي تعيش وحيدة في البطاني، أنها لا تفتح أي علبة تأتيها، إذ كانت تتصدق بكل ما يأتها على من يزورها. ولما بلغ ناجي بيتها، وأخبرها بما يبحث عنه، أشارت عليه بأن يعتلي خزانتها ويبحث عن العلبة وسط ما تختزنه من كراكيب، فوجد العلبة مركونة هناك.

ملأت ابتسامات عريضة وجوه الأولاد الخمسة، وهم ينظرون إلى أمهم، وملؤهم الرهبة والخجل، وقالوا بصوت واحد ما اتفقوا عليه بأعينهم للتو: بدنا التحلاية طيب يا أم عمار يا بركة.
ضحكت أم عمار، حتى بانت لثة أسنانها وقالت لهم: حلت مرحبابكم يمة، هو في عندي أعز منكم.

ثم أشارت إليهم بفتح جميع علب الحلو الحديدية المغلقة فوق الخزانة، وأخذ كفايتهم منها، وتوزيع البقية على الجيران، احتفالا بعودة العلبة المفقودة، وتخلصا من كل ما لا يشف عما بداخله من العلب، تجنبا لتكرار الهدية الخطأ.

ومنذ ذلك الوقت سرى في المخيمات عرف، بألا يهدي أحد الآخر إن زاره في بيته أي نوع من علب الصفيح أو الكرتون مما لا يرى ما بداخلها، وظلت الهدايا مقتصرة على علب الحلو البلاستيكية الشفافة. حتى أن دكاكين المخيم أبدلت الأكياس الورقية بأخرى من النايلون خشية أن يختلط على الناس السكر والملح.